توابيت على شكل سيارات وآلات موسيقية وأشياء غير متوقعة... أغرب طقوس الدفن في غانا، تخيل أنك تحضر جنازة، وبدلاً من التابوت الخشبي التقليدي البسيط، تجد الفقيد مسجى داخل تابوت على هيئة سيارة مرسيدس فارهة، أو سمكة عملاقة، أو حتى زجاجة مشروب غازي! يبدو الأمر وكأنه مشهد من فيلم كوميدي، لكنه في الحقيقة تقليد راسخ ومحترم في غانا، تحديداً بين قبيلة "الجا" الساحلية. هذه الظاهرة التي قد تصدم زائراً أجنبياً للوهلة الأولى، تحمل خلفها فلسفة عميقة عن الموت والحياة، وتحولت مع الوقت من طقس محلي إلى فن عالمي يُعرض في المتاحف الكبرى ويُقتنى من هواة الفن حول العالم. في هذا المقال، سنأخذك في جولة داخل عالم "توابيت الخيال" الغانية، لنكتشف كيف بدأت، ولماذا تحظى بكل هذا الاهتمام، وما القصص العجيبة التي تحملها كل قطعة منها.
فرصة لشركات الإنتاج الإعلامي ... مناقصة دولية لتوثيق مشروع صحي في 4 ولايات سودانية
ما هي توابيت غانا الخيالية (Fantasy Coffins)
يُطلق على هذا النوع من التوابيت اسم "Fantasy Coffins" أو التوابيت الخيالية، وهي توابيت مصنوعة يدوياً من الخشب، لكنها لا تشبه أي تابوت تقليدي على الإطلاق. فبدلاً من الشكل المستطيل المعتاد، يصمم الحرفيون توابيت على هيئة أشياء لها علاقة مباشرة بحياة المتوفى أو شغفه أو مهنته. فقد ترى تابوتاً على شكل طائرة لطيار متقاعد، أو على شكل كاميرا لمصور محترف، أو تابوتاً بشكل حذاء رياضي فاخر لشخص كان مولعاً بالموضة.
هذه التوابيت ليست مجرد صناديق خشبية عادية، بل هي منحوتات فنية دقيقة، تُطلى بألوان زاهية وتُصقل بعناية فائقة، وقد يستغرق تصنيع الواحدة منها أسابيع كاملة من العمل اليدوي المتقن.
قصة نشأة تقليد التوابيت الغريبة في غانا
تعود جذور هذه الحرفة إلى منتصف القرن العشرين في منطقة "الجا" الساحلية بالقرب من العاصمة أكرا. ويُنسب الفضل في ابتكارها إلى نجار محلي يُدعى "كين كوي" (Kane Kwei)، الذي بدأ بصناعة أثاث ومقاعد بأشكال غريبة، قبل أن يتحول إلى صناعة التوابيت بعدما طلب منه أحد الزبائن تابوتاً بشكل مميز يليق بجدته الراحلة.
منذ تلك اللحظة، انتشرت الفكرة بسرعة بين سكان المنطقة، وتحولت من مجرد طلب فردي إلى تقليد اجتماعي كامل، حتى أصبحت اليوم جزءاً لا يتجزأ من ثقافة الوداع عند قبيلة الجا، وورشة كين كوي نفسها لا تزال قائمة حتى اليوم يديرها أحفاده وتلاميذه.
لماذا يختار سكان غانا توابيت بأشكال غير تقليدية
قد يبدو الأمر غريباً لمن ينظر إليه من الخارج، لكنه بالنسبة لأهل غانا تعبير عميق عن الاحترام والحب للمتوفى. فالفكرة الأساسية تقوم على أن التابوت يجب أن يعكس شخصية صاحبه، إنجازاته، أو حتى أحلامه التي لم يحققها.
فمزارع الكاكاو مثلاً قد يُدفن في تابوت على شكل حبة كاكاو عملاقة، والصياد قد يوارى الثرى في تابوت على هيئة سمكة، أما رجل الأعمال الناجح فقد يفضل أهله دفنه في تابوت على شكل سيارته المفضلة. حتى الأشخاص العاديون الذين لم يشغلوا مناصب أو مهناً بارزة، قد يُدفنون في تابوت يعبر عن هوايتهم المفضلة أو حلم كانوا يتمنون تحقيقه.
في الثقافة المحلية، يُنظر إلى الموت باعتباره انتقالاً وليس نهاية، لذا فإن جعل هذا الانتقال احتفالياً ومميزاً هو نوع من تكريم الروح ومساعدتها على الرحيل بكرامة وفخر.
أشهر أشكال التوابيت الغريبة في غانا
- توابيت على شكل سيارات فارهة، خصوصاً موديلات مرسيدس وبي إم دبليو.
- توابيت على هيئة آلات موسيقية مثل الجيتار أو الطبول التقليدية.
- توابيت بشكل حيوانات كالأسود والنسور والأسماك، رمزاً للقوة أو الحرية.
- توابيت على هيئة أدوات العمل، كالمطرقة أو آلة الخياطة أو حتى الهاتف المحمول.
- توابيت غريبة كزجاجات المشروبات الغازية أو علب السجائر، وأحياناً حبات الفلفل أو الخضروات.
: كيف أصبحت التوابيت الغانية فناً عالمياً
ما بدأ كطقس محلي بسيط، تحول اليوم إلى ظاهرة فنية عالمية. فقد لفتت هذه التوابيت أنظار النقاد والفنانين الغربيين منذ ثمانينيات القرن الماضي، وبدأت تُعرض في متاحف مرموقة حول العالم، من بينها متحف الفنون في مدينة هيوستن الأمريكية، ومتحف بومبيدو في باريس.
كثير من هذه التوابيت لم تعد تُستخدم فعلياً للدفن، بل تُصنع خصيصاً كقطع فنية تُباع لهواة جمع التحف وعشاق الفن الأفريقي المعاصر، بأسعار قد تصل أحياناً إلى آلاف الدولارات، وهو ما فتح باباً اقتصادياً جديداً أمام الحرفيين الغانيين وأبنائهم من بعدهم.
هل تقليد التوابيت الغريبة منتشر في كل أنحاء غانا
رغم شهرة هذه التوابيت عالمياً، إلا أنها ليست تقليداً منتشراً في جميع أنحاء غانا، بل ترتبط بشكل أساسي بقبيلة الجا الساكنة في المناطق الساحلية القريبة من أكرا. أما بقية القبائل والمناطق في البلاد، فتتبع في الغالب طقوس دفن أكثر تقليدية. ومع ذلك، ساهمت الشهرة العالمية لهذه الظاهرة في جعلها أحد أبرز الرموز الثقافية التي تُعرّف بها غانا دولياً.
خاتمة
تُثبت لنا توابيت الجا الغريبة أن الموت، رغم قسوته وحتميته، يمكن أن يُحتفى به بطريقة مختلفة تحتفي بالحياة قبل أن تُودّع صاحبها. فبدلاً من النظرة الحزينة التقليدية للموت، اختار أهل هذه المنطقة أن يحولوا اللحظة الأخيرة إلى احتفال بشغف الإنسان وإنجازاته وحكايته الخاصة. وهكذا، تحولت قطعة خشبية بسيطة إلى لوحة فنية تحكي قصة كاملة، وتذكرنا بأن لكل ثقافة طريقتها الخاصة والمميزة في فهم الحياة والموت معاً.
أسئلة شائعة
ما اسم هذه التوابيت الغريبة في غانا؟
تُعرف باسم "Fantasy Coffins" أو التوابيت الخيالية، وترتبط بشكل أساسي بقبيلة الجا الساحلية.
من هو مخترع هذا التقليد؟
يُنسب ابتكار هذه الحرفة إلى النجار الغاني كين كوي في منتصف القرن العشرين.
هل كل الغانيين يُدفنون في هذا النوع من التوابيت؟
لا، هذا التقليد يقتصر في الغالب على قبيلة الجا وبعض المناطق الساحلية، وليس منتشراً في جميع أنحاء غانا.
ما معايير اختيار شكل التابوت؟
يُختار الشكل غالباً بناءً على مهنة المتوفى، هوايته، أو حلم كان يتمنى تحقيقه في حياته.
هل يمكن شراء هذه التوابيت كقطع فنية فقط؟
نعم، أصبحت تُصنع اليوم كقطع فنية تُعرض في المعارض والمتاحف وتُباع لهواة جمع الفن حول العالم.