الغارديان تفتح ملف التأشيرات.. هل أصبحت الأمم المتحدة ساحة لصراع المصالح؟
سودان ون - تحليل
لم تعد أزمة التأشيرات المرتبطة باجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك مجرد خلاف إجرائي بين واشنطن وبعض الوفود، بل تحولت إلى سؤال أكبر حول حدود النفوذ الأميركي داخل المنظمة الدولية، ومدى قدرة الأمم المتحدة على الحفاظ على صورتها كمنصة يفترض أن تتساوى فيها الدول أمام القانون الدولي.
وفي مقال نشرته صحيفة الغارديان البريطانية في الأول من أكتوبر، ذهبت الكاتبة نسرين مالك إلى أن استخدام الولايات المتحدة لصلاحياتها المتعلقة بالتأشيرات يمكن أن يحوّل نظام الدخول إلى الولايات المتحدة إلى أداة ضغط سياسي، بما يؤثر في قدرة بعض الوفود على المشاركة المباشرة في أعمال الجمعية العامة.
من عباس إلى البرهان.. التأشيرة تتحول إلى قضية سياسية
أبرزت مالك رفض الولايات المتحدة منح الرئيس الفلسطيني محمود عباس وعدد من المسؤولين الفلسطينيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في خطوة تكررت خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب. وكانت الجمعية العامة قد أقرت في سبتمبر 2026، بأغلبية 152 دولة مقابل 3، ترتيبات تسمح للرئيس الفلسطيني بالمشاركة عبر تسجيل مصور، بعد تعذر حضوره شخصيًا نتيجة قرار التأشيرة الأميركية.
لكن القضية لم تتوقف عند الجانب الفلسطيني. فبحسب تقارير صحفية، واجه رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة السودانية الفريق أول عبد الفتاح البرهان مشكلة مماثلة في الحصول على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة.
وذكرت رويترز أن واشنطن حجبت التأشيرة في ظل خلاف حول مقترح أميركي لوقف إطلاق النار في السودان، بينما نقلت مصادر سودانية أن الخرطوم اعتبرت منع البرهان من الوصول إلى الأمم المتحدة مساسًا بالتزامات الولايات المتحدة كدولة مضيفة لمقر المنظمة الدولية.
هل تملك واشنطن حق التحكم في حضور اجتماعات الأمم المتحدة؟
هنا تكمن العقدة القانونية والسياسية. فالولايات المتحدة هي الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة في نيويورك، لكن اتفاق المقر المبرم مع المنظمة الدولية يتضمن التزامات تتعلق بتسهيل وصول ممثلي الدول الأعضاء إلى مقر الأمم المتحدة.
وتشير وثائق الأمم المتحدة إلى أن الاتفاق ينص على عدم فرض عوائق أمام مرور ممثلي الدول الأعضاء من وإلى مقر المنظمة، وأن التأشيرات المطلوبة ينبغي إصدارها دون رسوم وبأسرع وقت ممكن. في المقابل، تستند واشنطن إلى اعتبارات تتعلق بالأمن والسياسة الخارجية لتبرير بعض قرارات منع التأشيرات.
وهنا يظهر السؤال الأكثر حساسية: أين ينتهي الحق السيادي للدولة المضيفة، وأين تبدأ استقلالية الأمم المتحدة؟
السودان في قلب معادلة دولية أكثر تعقيدًا بالنسبة للسودان، لا يمكن فصل قضية تأشيرة البرهان عن الصراع الدبلوماسي المتزايد حول الحرب السودانية، ومبادرات وقف إطلاق النار، والأدوار الإقليمية والدولية المتنافسة.
فالولايات المتحدة تحاول الدفع باتجاه وقف إطلاق النار ومسار سياسي، بينما ترفض الحكومة السودانية بعض الصيغ المطروحة خارجيًا، خشية أن تؤدي الهدنة إلى إعادة ترتيب موازين القوة على الأرض.
وفي هذا السياق، تصبح الجمعية العامة للأمم المتحدة أكثر من مجرد منصة لإلقاء الخطب؛ فهي مساحة دبلوماسية لتقديم الروايات السياسية، وحشد المواقف الدولية، والتأثير في مسار القرارات المتعلقة بالحرب والسلام في السودان. ومن هنا تكتسب قضية منع أو تأخير تأشيرة مسؤول سوداني وزنًا يتجاوز مسألة السفر نفسها.
وماذا عن اتهامات الدور الإماراتي في حرب السودان؟
في مقالها، ربطت مالك بين منع البرهان من التأشيرة وبين ما وصفته بنفوذ إماراتي محتمل في واشنطن، مشيرة إلى أن أبوظبي تُتهم بدعم قوات الدعم السريع، بينما تنفي الإمارات هذه الاتهامات.
وهذه نقطة يجب التعامل معها لاأهمية المسألة وتكمن في أن الحرب السودانية لم تعد محصورة في ساحات القتال داخل السودان؛ فقد أصبحت أيضًا صراعًا على النفوذ الدولي، والدعم الخارجي، والمسارات الدبلوماسية، ومبادرات وقف إطلاق النار.
وهذا يجعل أي تحرك أميركي أو إقليمي تجاه أحد طرفي الحرب محل قراءة سياسية واسعة.
هل تتحول الأمم المتحدة إلى ساحة لصراع القوى؟
المشكلة التي تطرحها أزمة التأشيرات ليست أن الأمم المتحدة فقدت كل أدواتها، وإنما أن قدرتها على الظهور كمساحة مستقلة قد تتأثر عندما يصبح الوصول إلى مقرها مرتبطًا بقرار الدولة التي تستضيفه.
فالمنظمة الدولية تستطيع إصدار القرارات، وإجراء التصويت، وإتاحة المنصات الدبلوماسية، لكنها لا تتحكم بصورة كاملة في الحدود الأميركية أو نظام التأشيرات الأميركي.
وهذا التناقض يضع الأمم المتحدة أمام معادلة صعبة: منظمة دولية يفترض أن تكون عالمية، لكنها تعمل من داخل أراضي دولة ذات مصالح وسياسة خارجية مستقلة.
وتزداد حساسية هذه المعادلة عندما تكون الدولة المعنية طرفًا مباشرًا أو غير مباشر في ملفات دولية مطروحة أمام الأمم المتحدة.
من يملك المنصة يملك جزءًا من المعركة الدبلوماسية في عالم السياسة الدولية، لا تقتصر القوة على السلاح أو الاقتصاد.
أحيانًا تكون المنصة نفسها جزءًا من القوة. من يستطيع الوصول إلى الاجتماعات؟ من يستطيع مخاطبة قادة العالم مباشرة؟ من يستطيع عرض روايته أمام وسائل الإعلام؟ ومن يُجبر على الظهور عبر شاشة أو تسجيل مسبق؟
هذه التفاصيل قد تبدو إجرائية، لكنها في الصراعات الدولية تحمل قيمة سياسية كبيرة. ولهذا فإن أزمة تأشيرات محمود عباس وعبد الفتاح البرهان أعادت إلى الواجهة سؤالًا يتجاوز الأشخاص والملفات: هل تستطيع الأمم المتحدة أن تضمن لجميع الدول الأعضاء مساحة متقاربة للمشاركة، عندما تكون بوابة الوصول إلى مقرها تحت سلطة دولة واحدة؟
السودان.. هل يتغير شكل المعركة؟
بالنسبة للخرطوم، فإن القضية تفتح ملفًا أوسع حول مستقبل الحضور السوداني في المؤسسات الدولية. فالحرب جعلت السودان موضوعًا دائمًا على أجندة مجلس الأمن، والجمعية العامة، والمنظمات الإنسانية، والقوى الإقليمية والدولية.
ومع استمرار التنافس حول وقف الحرب في السودان، مستقبل الدولة السودانية، العملية السياسية، العقوبات، المساعدات الإنسانية، وإعادة الإعمار، ستزداد أهمية المعركة الدبلوماسية بالتوازي مع المعركة السياسية والعسكرية.
وبالتالي، فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: هل حصل البرهان على تأشيرة أم لا؟ بل أصبح: هل تستطيع الأمم المتحدة أن تبقى مساحة دولية مستقلة عندما تتقاطع داخلها مصالح القوى الكبرى مع أزمات الدول الصغيرة والمتوسطة؟
ذلك هو السؤال الذي أعادته أزمة التأشيرات إلى الواجهة، وهو سؤال يتجاوز السودان وفلسطين إلى مستقبل النظام الدولي نفسه.