بفيتو روسي.. مجلس الأمن يسقط مقترح توسيع حظر السلاح على كل السودان ويمدده شهرًا واحدًا على دارفور فقط
السودان - وكالات:
أسقط مجلس الأمن الدولي، اليوم الجمعة، مشروع القرار الأمريكي الذي كان يهدف إلى توسيع نطاق حظر توريد الأسلحة ليشمل عموم الأراضي السودانية، بعد اعتراض روسي حاسم وصفته موسكو بأنه "خط أحمر"، في وقت اكتفى فيه المجلس بالتصويت على تمديد حظر السلاح المفروض على إقليم دارفور لمدة شهر واحد فقط.
روسيا: لن نسمح بتوسيع القيود على السودان
جاء الإسقاط بعد موقف صريح لمندوبة روسيا الاتحادية في مجلس الأمن، التي أكدت خلال الجلسة أن بلادها "لن تسمح بتمديد حظر السلاح ليشمل كل السودان"، معتبرة أن هذا الملف يمثل خطًا أحمر بالنسبة لموسكو.
وتساءلت المندوبة الروسية عن غياب أي موقف مماثل من المجلس في عام 2023 حين اجتاحت قوات الدعم السريع الخرطوم ومدنًا سودانية أخرى.
وأضافت أن الحكومة السودانية "تتقدم على الأرض"، وهي الجهة الضامنة لوحدة المؤسسات وحماية المدنيين، مشددة على ضرورة حصولها على كافة الموارد اللازمة لأداء هذه المهمة.
من جانبها، أعلنت نائبة المندوب الروسي، آنا إيفستينييفا، أن موقف موسكو "يتسق مع موقف الحكومة الشرعية" في السودان، مكررة أن الخرطوم هي الضامنة لوحدة المؤسسات ومسؤولة عن حماية المدنيين.
الصين: العقوبات وسيلة لا غاية
في السياق ذاته، أوضح مندوب الصين الدائم لدى الأمم المتحدة أن بلاده صوّتت لصالح التمديد قصير الأجل لإتاحة مزيد من الوقت للتفاوض والوصول إلى توافق يعكس وحدة المجلس، محذرًا من عقوبات قد تزيد الأوضاع الإنسانية والاستقرار الإقليمي سوءًا. وشدد المندوب الصيني على ضرورة مراعاة سيادة السودان، وتطبيق الجزاءات بصورة محايدة ومنصفة، بعيدًا عن أي توسع تعسفي قد يقوّض استقرار البلاد وتنميتها على المدى الطويل.
نتيجة التصويت... تمديد تقني للعقوبات
وبالإجماع، اعتمد مجلس الأمن قرارًا يمدد بصورة تقنية العقوبات الحالية المفروضة على السودان حتى 9 أكتوبر 2026، مع تمديد ولاية فريق الخبراء المكلف بمراقبة تنفيذ العقوبات المرتبطة بالنزاع في دارفور حتى 9 نوفمبر 2026. وأكد نص القرار أن الوضع في السودان "لا يزال يشكل تهديدًا للسلم والأمن الدوليين".
وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن واشنطن اختارت خيار التمديد التقني لشهر واحد بعد تعثر التوافق داخل المجلس حول مقترحها الأساسي بتوسيع حظر السلاح ليشمل كامل الأراضي السودانية، ما يمنح الدول الأعضاء مزيدًا من الوقت لمواصلة المفاوضات.
انقسام دولي واضح داخل المجلس
شهدت الجلسة تباينًا لافتًا في مواقف الدول الأعضاء:
الولايات المتحدة قدمت رسميًا مقترح توسيع العقوبات، شاملاً توسيع حظر السلاح لكل السودان، وتأكيد شموله للمسيّرات، وزيادة أعضاء لجنة الخبراء وتعزيز تعاونها مع لجان أخرى، دون التطرق إلى حظر جوي.
بريطانيا وفرنسا ولاتفيا والدنمارك أعلنت تأييدها للمقترح الأمريكي.
روسيا انتقدت العقوبات الأمريكية والأوروبية على السودان ووصفتها بغير المقبولة.
مصر رفضت، على لسان مندوبها، أي مقاربات "تساوي بين مؤسسات الدولة الوطنية في السودان والمليشيات".
السعودية ثمّنت موقف الحكومة السودانية في فتح المعابر لإيصال المساعدات الإنسانية، بما يتسق مع إعلان جدة، مشيرة إلى استمرار انتهاكات قوات الدعم السريع بحق المدنيين.
البحرين ومجموعة A3 (الصومال والكونغو وليبيريا)، وبنما، وباكستان، واليونان، وكولومبيا التزمت الصمت ولم تبدِ مواقف صريحة حيال المقترح الأمريكي.
مندوب السودان: الإمارات لا حاجة لنا بأموالها
وفي مداخلة لافتة، هاجم مندوب السودان لدى مجلس الأمن دولة الإمارات، قائلاً إن الأموال التي تقدمها أبوظبي "بحجة العون الإنساني" لا حاجة للشعب السوداني بها، مؤكدًا أن "السودان أغنى من دولة الإمارات إذا استقر، وسيكون أغنى دولة في العالم"، ومطالبًا الإمارات بأن "ترفع يدها عن السودان" باعتبار ذلك المدخل الأول لاستقرار البلاد. وكشف عن العثور على 6 جوازات سفر إماراتية في عمليات تابعة لقوات الدعم السريع.
لماذا أرادت واشنطن توسيع حظر السلاح؟
المقترح الأمريكي لم يكن مجرد تمديد للإجراءات القائمة، بل كان يستهدف تغيير نطاق نظام حظر الأسلحة نفسه.
وشملت المقترحات التي نوقشت داخل المجلس:
توسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل الأراضي السودانية.
التأكيد على شمول الطائرات المسيّرة والأنظمة غير المأهولة والتقنيات المرتبطة بها.
زيادة عدد أعضاء فريق الخبراء المعني بالسودان.
تعزيز التعاون بين فريق الخبراء والفرق التابعة للجان العقوبات الأخرى.
توسيع بعض معايير العقوبات لتشمل تهديد الاستقرار في السودان بصورة أوسع.
وكانت هذه المقترحات قد جاءت في ظل اتساع نطاق الحرب واستخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة المتطورة، إلى جانب استمرار التقارير عن تدفق أسلحة ومقاتلين عبر الحدود.
حظر السلاح في السودان ماذا يعني قرار اليوم؟
لفهم أهمية التطور، لا بد من العودة إلى أصل نظام العقوبات.
فحظر الأسلحة الذي يفرضه مجلس الأمن على السودان يعود إلى قرارات مرتبطة بأزمة دارفور، وبدأ في عام 2004، قبل أن يتوسع في 2005 ليشمل أطرافاً متحاربة أخرى في الإقليم.
وتؤكد وثائق مجلس الأمن أن حظر الأسلحة ظل جغرافياً محصوراً في دارفور، بينما تشمل منظومة العقوبات أيضاً تجميد الأصول وحظر السفر بحق أشخاص تحددهم لجنة العقوبات.
وكانت الولايات المتحدة تسعى هذه المرة إلى نقل الحظر من نطاقه الحالي في دارفور إلى كامل الأراضي السودانية، وهو ما اعتبرته موسكو وبكين ودول أخرى خطوة تتجاوز الإطار القائم.
شهر واحد يفتح بابًا لمعركة دبلوماسية جديدة
وبدلاً من حسم الخلاف بشأن توسيع العقوبات، اتجه مجلس الأمن إلى حل مؤقت يتيح مواصلة التفاوض.
وكانت المفاوضات قد شهدت خلال الأسابيع الماضية عدة مسودات وتعديلات، قبل أن يتضح عدم وجود توافق كافٍ على المشروع الأمريكي الموسع. وأشارت المتابعة المتخصصة إلى أن واشنطن قدمت مسودة أولية في أغسطس، أعقبتها عدة نسخ منقحة وجولات تفاوض، قبل أن يتم الانتقال إلى خيار التمديد التقني القصير.
وهكذا تحولت جلسة 11 سبتمبر إلى تأجيل للحسم أكثر منها نهاية للمعركة.
فالخلاف الأساسي لم ينتهِ: هل ينبغي أن يبقى حظر السلاح محصوراً في دارفور، أم يصبح شاملاً لكل السودان؟
ماذا يعني الموقف الروسي للسودان؟
سياسياً، يمثل الموقف الروسي مكسباً للحكومة السودانية في مواجهة محاولة توسيع حظر الأسلحة، خصوصاً أن الخرطوم ترفض أن يشمل الحظر مؤسسات الدولة والقوات النظامية.
أما على المستوى الدولي، فإن نتيجة التصويت تكشف عمق الانقسام داخل مجلس الأمن بشأن الطريقة التي ينبغي أن يتعامل بها المجتمع الدولي مع الحرب السودانية.
فبينما ترى الولايات المتحدة ودول غربية أن اتساع الحرب وانتشار الأسلحة يستدعيان توسيع أدوات الضغط، ترى موسكو وبكين وعدد من الأعضاء أن فرض قيود إضافية على السودان قد يزيد تعقيد الأزمة ويؤثر في قدرة مؤسسات الدولة على التعامل مع الوضع الأمني.
المعركة لم تنتهِ
النتيجة الأبرز لجلسة مجلس الأمن ليست فقط إسقاط مشروع توسيع حظر السلاح، وإنما تأجيل القرار النهائي بشأن مستقبل نظام العقوبات على السودان.
وبالتالي، فإن التاسع من أكتوبر المقبل قد يتحول إلى محطة دبلوماسية جديدة، خصوصاً أن المجلس سيضطر قبل ذلك إلى العودة إلى ملف العقوبات وفريق الخبراء، في ظل استمرار الحرب وتزايد الضغط الدولي بشأن تدفق الأسلحة إلى السودان.
وتشير وثائق مجلس الأمن إلى أن نظام العقوبات الذي جرى تجديده في القرار 2791 لعام 2025 كان من المقرر أن ينتهي في 12 سبتمبر 2026، فيما كان مقررًا أن يستمر تفويض فريق الخبراء حتى أكتوبر.
وبذلك، فإن معركة حظر السلاح على السودان لم تنتهِ في نيويورك، وإنما دخلت مرحلة جديدة من المساومات الدبلوماسية؛ مرحلة سيكون فيها موقف روسيا والصين والدول الأفريقية داخل المجلس عاملاً حاسماً في تحديد ما إذا كان الحظر سيبقى محصوراً في دارفور أم ستعود واشنطن وحلفاؤها لمحاولة توسيعه ليشمل السودان بأكمله.
المصادر المرجعية:
وثائق ومتابعات مجلس الأمن والأمم المتحدة، إضافة إلى المتابعة الدبلوماسية المتخصصة لملف العقوبات السودانية.