هل تخرج قمة العلمين بقوة ردع إقليمية؟ السودان ومصر وإريتريا والصومال أمام اختبار جديد في القرن الأفريقي

تتجه الأنظار، اليوم الأحد 4 أكتوبر 2026، إلى مدينة العلمين الجديدة، حيث تعقد قمة تشاورية تجمع قادة مصر والسودان وإريتريا والصومال، في اجتماع يأتي وسط تحولات متسارعة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ويضع ملفات الأمن الإقليمي والسيادة الوطنية والملاحة الدولية ومستقبل السودان في صدارة المشهد.

القمة، التي يشارك فيها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والرئيس الإريتري أسياس أفورقي، ورئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، لا تبدو ــ وفق توقيتها وطبيعة الملفات المحيطة بها ــ مجرد لقاء بروتوكولي، لكنها في الوقت نفسه لا تعني تلقائياً الإعلان عن حلف عسكري جديد.

والسؤال الأبرز الذي يفرض نفسه هنا: هل تستطيع قمة العلمين الانتقال من مجرد التنسيق السياسي إلى بناء قوة ردع إقليمية تعيد رسم توازنات القرن الأفريقي والبحر الأحمر؟

لماذا تأتي قمة العلمين في هذا التوقيت؟

تنعقد القمة في لحظة شديدة الحساسية إقليمياً، تتقاطع فيها عدة أزمات وملفات في مساحة جغرافية واحدة: الحرب في السودان، التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، الخلاف المصري الإثيوبي حول مياه النيل وسد النهضة، أمن البحر الأحمر، وأمن باب المندب والقرن الأفريقي. وهنا تكتسب تركيبة الدول الأربع أهمية خاصة.

فمصر ترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر وقناة السويس وحوض النيل، بينما يمتلك السودان ساحلاً استراتيجياً على البحر الأحمر، وتشغل إريتريا موقعاً بالغ الأهمية على الضفة الغربية للبحر الأحمر، في حين يمثل الصومال بوابة استراتيجية باتجاه خليج عدن وباب المندب.

وبالتالي، فإن أي ترتيبات أمنية أو سياسية تجمع هذه الدول تمنحها مساحة واسعة للتنسيق حول واحدة من أكثر المناطق حساسية بالنسبة للأمن الإقليمي والتجارة الدولية.

السودان ليس ضيفاً في المعادلة

وجود السودان على طاولة العلمين يحمل وزناً خاصاً.

فاستقرار السودان لا يرتبط فقط بالأمن الداخلي، وإنما يمتد تأثيره إلى الحدود المصرية والإريترية، وساحل البحر الأحمر، والقرآن الأفريقي، وحركة التجارة والممرات البرية والبحرية.

كما أن استمرار الحرب السودانية جعل البلاد جزءاً من صراع إقليمي أوسع، تتداخل فيه الحسابات الأمنية والسياسية والاقتصادية.

ومن هذه الزاوية، فإن مشاركة البرهان في القمة تمنح الخرطوم فرصة لطرح رؤيتها بشأن أمن الحدود، والحرب، والسيادة السودانية، ومستقبل البحر الأحمر، إضافة إلى الملفات المرتبطة بإثيوبيا.

لكن الأهم أن السودان يمكن أن يتحول من ساحة لتنافس القوى الإقليمية إلى طرف فاعل في صياغة الترتيبات الأمنية الجديدة، إذا نجح في استثمار هذا الحضور سياسياً ودبلوماسياً.

إريتريا.. موقع جغرافي يغيّر الحسابات

تأتي إريتريا بثقل جغرافي لا يمكن تجاهله.

فالساحل الإريتري يمنح أسمرا موقعاً مهماً في معادلة البحر الأحمر، بينما تجعل الحدود مع إثيوبيا أي توتر بين البلدين ذا تداعيات تتجاوز حدودهما المباشرة.

وفي ظل التوتر المتصاعد بين أسمرا وأديس أبابا، يصبح التواصل المصري الإريتري، ثم الاجتماع الرباعي، جزءاً من مشهد إقليمي يحتاج إلى إدارة دقيقة حتى لا يتحول إلى مواجهة مفتوحة.

ولهذا فإن أحد الاختبارات الحقيقية لقمة العلمين سيكون: هل تستطيع الدول الأربع صياغة ترتيبات تمنع التصعيد وتحمي مصالحها في الوقت نفسه؟

الصومال.. الحلقة الجنوبية في معادلة البحر الأحمر

أما الصومال، فيمثل ضلعاً مهماً في المعادلة بسبب موقعه على خليج عدن وقربه من باب المندب.

وهنا تتجاوز أهمية مشاركة مقديشو حدود الأزمة الصومالية الداخلية، لتصل إلى أمن الملاحة الدولية والتجارة البحرية والتنافس على النفوذ في القرن الأفريقي.

كما أن ملف وحدة الأراضي الصومالية وعلاقة إثيوبيا بأرض الصومال يضيف بعداً آخر إلى الحسابات الإقليمية.

وبذلك يصبح اجتماع مصر والسودان وإريتريا والصومال ذا امتداد جغرافي يبدأ من قناة السويس والبحر الأحمر، ويمتد حتى خليج عدن والقرن الأفريقي.

سد النهضة.. الملف الذي لا يمكن تجاهله

رغم أن القمة قد لا تكون مخصصة لسد النهضة، فإن ملف المياه سيظل حاضراً بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

فالخلاف المصري الإثيوبي حول السد لم يعد ملفاً فنياً منفصلاً عن بقية ملفات الأمن الإقليمي، خصوصاً مع ارتباطه بأمن مصر والسودان ومصالح دول حوض النيل.

القاهرة تتمسك بضرورة التوصل إلى ترتيبات تحفظ حقوق دولتي المصب، بينما ترفض إثيوبيا ما تعتبره قيوداً على حقها في التنمية واستغلال مواردها المائية.

ومن هنا، فإن أي تنسيق مصري سوداني في هذا الملف يمكن أن يمثل ورقة مهمة في إعادة ترتيب الموقف الإقليمي، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انتقال الخلاف إلى مواجهة عسكرية.

هل القمة حلف لتطويق إثيوبيا؟

هذه هي القراءة الأكثر تداولاً، لكنها تحتاج إلى قدر من الحذر.

من الناحية الجغرافية والسياسية، فإن اجتماع الدول الأربع يخلق بالفعل شبكة إقليمية تمتلك أوراقاً مؤثرة حول إثيوبيا: مصر والسودان من الشمال، وإريتريا من الشرق، والصومال من الجنوب الشرقي.

لكن وصف القمة منذ الآن بأنها "حلف عسكري لتطويق إثيوبيا" يتجاوز ما يمكن إثباته قبل صدور مخرجات الاجتماع.

الأقرب أن القاهرة تسعى إلى بناء تنسيق سياسي وأمني متعدد الأطراف حول الملفات التي تمس أمنها ومصالح شركائها، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام الحلول الدبلوماسية.

وهذا الفرق مهم.

فالقوة الإقليمية لا تُقاس فقط بعدد القوات والسلاح، وإنما أيضاً بقدرة الدول على تنسيق مواقفها، وتبادل المعلومات، وحماية الحدود والممرات البحرية، وتنسيق التحرك الدبلوماسي، وبناء المصالح الاقتصادية المشتركة.

من التشاور إلى الردع.. ماذا يمكن أن يحدث؟

إذا نجحت الدول الأربع في تحويل التفاهمات السياسية إلى آليات عملية، فقد تظهر تدريجياً ملامح مظلة أمن إقليمية.

وقد تشمل مستقبلاً:

تنسيقاً أكبر بشأن أمن البحر الأحمر.

تبادل المعلومات حول المخاطر العابرة للحدود.

تعاوناً في حماية الملاحة والموانئ.

تنسيقاً دبلوماسياً في الملفات الإقليمية.

تعاوناً في مكافحة التهريب والجريمة المنظمة.

تدريبات أو ترتيبات أمنية مشتركة إذا اتفقت الدول عليها.

مشاريع اقتصادية تربط الموانئ والطرق وممرات التجارة.

وهنا يمكن أن يتحول مفهوم "الردع" من فكرة عسكرية بحتة إلى ردع سياسي وأمني واقتصادي متكامل.

العلمين.. الأمن والاقتصاد في مكان واحد

لا تأتي القمة بمعزل عن النشاط الأفريقي الذي تستضيفه العلمين.

فجمع الفعاليات السياسية والأفريقية والاقتصادية في مدينة واحدة يعكس توجهاً مصرياً لربط الحضور السياسي في أفريقيا بالتجارة والاستثمار والبنية التحتية. وهذه نقطة شديدة الأهمية بالنسبة للسودان.

فإذا تحولت العلاقات بين الدول الأربع إلى مشاريع حقيقية في الموانئ والطاقة والنقل والطرق والزراعة والتجارة، فإن قيمة التكتل ستكون أكبر بكثير من أي بيان سياسي.

الاستقرار يحتاج إلى مصالح مشتركة، والمصالح المشتركة تحتاج إلى اقتصاد قادر على حمايتها.

ماذا يريد السودان من قمة العلمين؟

بالنسبة للخرطوم، ربما تكون الفرصة الأهم هي الانتقال من موقع المتأثر بالتنافس الإقليمي إلى موقع الشريك في صياغة المعادلة.

السودان يمتلك موقعاً استراتيجياً بين شمال أفريقيا والقرن الأفريقي، وساحلاً مهماً على البحر الأحمر، وحدوداً مع دول ذات تأثير مباشر في الأزمة الإقليمية.

لذلك فإن مصلحة السودان لا تكمن فقط في الحصول على دعم سياسي، وإنما في تثبيت موقعه داخل أي ترتيبات مستقبلية لأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

كما أن أي تعاون اقتصادي إقليمي يمكن أن يمنح السودان فرصة مهمة في مرحلة ما بعد الحرب، خصوصاً في مجالات إعادة الإعمار، والموانئ، والنقل، والطاقة، والزراعة.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد القمة

القمة يمكن أن تكون مهمة، لكن أهميتها الحقيقية لن تحددها الصور الجماعية أو البيانات الختامية.

الاختبار سيكون في السؤال التالي:

هل ستخرج الدول الأربع بآلية مستمرة للتنسيق، أم ينتهي الأمر بانتهاء الاجتماع؟

إذا خرجت القمة بلجنة مشتركة وآليات تنسيق واضحة، واتفاقات أمنية واقتصادية، وجدول أعمال مستمر، فقد تكون العلمين نقطة بداية لتكتل إقليمي جديد.

أما إذا اكتفت ببيان سياسي عام، فسيظل تأثيرها في حدود الرسالة الدبلوماسية.

الخلاصة: هل تولد من العلمين قوة ردع؟

قمة العلمين لا تعني بالضرورة ولادة حلف عسكري بين مصر والسودان وإريتريا والصومال.

لكنها قد تكون خطوة أولى نحو بناء توازن إقليمي جديد إذا نجحت الدول الأربع في تحويل التقارب السياسي إلى تعاون أمني واقتصادي طويل المدى.

وفي منطقة تتقاطع فيها مياه النيل مع البحر الأحمر، ويتصل السودان بالقرن الأفريقي، ويلتقي باب المندب بقناة السويس، فإن أي ترتيبات جديدة لن تكون شأناً محلياً.

السؤال الحقيقي إذن ليس: هل تستهدف القمة إثيوبيا؟

بل:

هل تستطيع الدول الأربع بناء معادلة إقليمية تجعل أمنها الجماعي أقوى من قدرة أي طرف على فرض الأمر الواقع؟

إذا كانت الإجابة نعم، فقد لا تكون قمة العلمين مجرد اجتماع تشاوري، وإنما بداية إعادة تشكيل لخريطة القوة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.