هل يتحول التحرك الإفريقي إلى نقطة تحول في أزمة السودان؟ الجزائر تقود مهمة ميدانية جديدة
متابعات _ سودان ون
تدخل الأزمة السودانية مرحلة جديدة من الحراك الإفريقي مع انتقال مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي من المواقف الدبلوماسية إلى التحرك الميداني، في خطوة تقودها الجزائر وتهدف إلى الاقتراب بصورة أكبر من الأزمة والاستماع إلى رؤاها بشأن الحرب ومستقبل التسوية السياسية.
ولا تأتي هذه الخطوة في ظرف عادي؛ فالحرب في السودان لم تعد محصورة في بعدها العسكري، بل امتدت آثارها إلى مؤسسات الدولة والاقتصاد والوضع الإنساني والنسيج الاجتماعي، بينما تتزايد المخاوف الإقليمية من انعكاسات الصراع على دول الجوار واستقرار منطقة القرن الإفريقي.
ويرى الدكتور ميلود ولد الصديق، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، في تصريح لـ"الأيام نيوز" الجزائرية إطلع عليه موقع سودان ون، أن التحرك الإفريقي يمكن أن يشكل فرصة لإعادة وضع الأزمة السودانية في إطارها القاري، شريطة أن يقوم على احترام سيادة السودان ووحدته، وأن يدعم مسارا سياسيا يمتلك السودانيون زمام المبادرة فيه.
ومن هذا المنظور، فإن دعم وحدة السودان لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره اصطفافا مع طرف من الأطراف ، وإنما باعتباره تمسكا بمبدأ الدولة السودانية وحق مواطنيها في تقرير مستقبلها السياسي بعيدا عن الضغوط الخارجية.
ويبرز هنا تحدي الاتحاد الإفريقي في الانتقال من التأكيد على المبادئ إلى طرح مسار عملي قادر على المساهمة في وقف الحرب وتهيئة المناخ أمام تسوية سياسية قابلة للحياة.
فالسلام الدائم، بحسب هذه المقاربة، لن يكون نتاجا لموازين القوة العسكرية وحدها، وإنما يحتاج إلى توافقات سياسية تعالج جذور الأزمة وتضع أسسا لإعادة بناء مؤسسات الدولة.
لماذا يكتسب التحرك الميداني أهمية؟
يمثل وصول وفد مجلس السلم والأمن الإفريقي إلى السودان تطورا مهما في طريقة تعامل الاتحاد الإفريقي مع الأزمة، لأن التواصل المباشر مع المسؤولين والقوى السياسية والفاعلين السودانيين يمنح المؤسسة القارية فرصة للحصول على صورة أكثر دقة عن الواقع على الأرض.
فالبيانات والمواقف الدبلوماسية لا تكفي وحدها لفهم تعقيدات المشهد السوداني، خصوصا مع تعدد الأطراف وتداخل المسارات العسكرية والسياسية والإقليمية.
وتسمح اللقاءات المباشرة أيضا بالوقوف على مواقف الأطراف المختلفة، ومعرفة العقبات التي تقف أمام إطلاق حوار سياسي جاد، إلى جانب بحث تداعيات الحرب على المدنيين والخدمات ومؤسسات الدولة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الزيارة ستقود إلى اتفاق سياسي فوري، لكن قيمتها قد تكمن في بناء قنوات اتصال جديدة يمكن استخدامها لاحقا لدعم الوساطة وتقريب وجهات النظر.
وهنا تظهر أهمية أن تتحول نتائج الزيارة إلى متابعة سياسية مستمرة، حتى لا تبقى مجرد مهمة دبلوماسية مؤقتة تنتهي بانتهاء اللقاءات.
الحوار السوداني.. لا وصاية على مستقبل البلاد
من أبرز القضايا التي تفرض نفسها على أي مبادرة للسلام في السودان مسألة ملكية السودانيين للعملية السياسية.
فالدعم الخارجي يمكن أن يكون عاملا مساعدا في تقريب وجهات النظر وتوفير الضمانات وتسهيل الحوار، لكنه لا يستطيع أن يحل محل القوى السودانية في تحديد شكل الدولة وترتيبات المرحلة المقبلة.
والفارق كبير بين الوساطة التي تساعد الأطراف على الوصول إلى اتفاق، والوصاية التي تفرض تصورات جاهزة على أصحاب الأزمة.
ولهذا، فإن أي حوار سوداني شامل يحتاج إلى قاعدة مشاركة أوسع من الأطراف العسكرية والسياسية الرئيسية، لتشمل القوى المدنية والشباب والنساء والمجتمعات المتضررة من الحرب ومختلف المكونات الاجتماعية والسياسية.
فكلما اتسعت قاعدة المشاركة، ازدادت فرص إنتاج تسوية تعبر عن الواقع السوداني بدلا من اتفاق محدود قد يصعب تطبيقه على الأرض.
وقف الحرب والحوار مساران متلازمان
لكن الوصول إلى حوار سياسي فعال يظل مرتبطا بدرجة كبيرة بالوضع الميداني. وتحتاج العملية السياسية كذلك إلى تصور واضح بشأن المشاركين فيها، وأجندة الحوار، وآليات تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، والضمانات التي تمنع عودة البلاد إلى دائرة الصراع.
تعدد المبادرات.. فرصة أم عقبة؟
تواجه جهود السلام في السودان تحديا آخر يتمثل في تعدد المبادرات والجهات المنخرطة في الوساطة.
ورغم أن تعدد القنوات يمكن أن يوفر فرصا إضافية للتواصل، فإنه قد يتحول إلى عامل إرباك إذا اختلفت الأجندات وتضاربت المبادرات.
ومن هنا تأتي أهمية التنسيق بين الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة وإيغاد ودول الجوار وبقية الأطراف الدولية والإقليمية، بهدف الوصول إلى قدر أكبر من الانسجام في التعامل مع الأزمة.
المطلوب ليس منافسة الوسطاء، وإنما تكامل أدوارهم حول أهداف واضحة: خفض التصعيد، حماية المدنيين، دعم الحوار، والحفاظ على وحدة الدولة السودانية.
الجزائر أمام فرصة لتعزيز الدور الإفريقي
وتمنح رئاسة الجزائر لوفد مجلس السلم والأمن الإفريقي المهمة بعدا دبلوماسيا إضافيا، خصوصا في ظل الدور الذي يمكن أن تلعبه الجزائر داخل المؤسسات الإفريقية في الدفع نحو الحلول السياسية.
ولا يتعلق الأمر بأن تقدم الجزائر رؤية منفصلة عن الجهود القائمة، وإنما بأن تسهم في بناء موقف إفريقي أكثر تماسكا تجاه الأزمة السودانية.
كما يمكن للدبلوماسية الجزائرية أن تدعم التواصل بين الأطراف، وتشجع على الحل السياسي، وتدفع باتجاه تعزيز مبادئ السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام وحدة الأراضي السودانية.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية أكبر بالنظر إلى أن الأزمة السودانية أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة باستقرار المنطقة، في ظل تداعيات الحرب على دول الجوار وحركة السكان والاقتصاد والأمن الإقليمي.
من إدارة الأزمة إلى صناعة الحل
الاختبار الحقيقي للتحرك الإفريقي لن يكون في عدد اللقاءات التي يعقدها الوفد أو البيانات التي تصدر بعد انتهاء مهمته، وإنما في قدرته على تحويل الحضور الميداني إلى مسار سياسي متواصل.
فالسودان يحتاج إلى مبادرة لا تكتفي بوصف الأزمة، وإنما تساعد على خلق الظروف التي تسمح بإنهائها.
ويعني ذلك الجمع بين وقف التصعيد، والحوار السياسي الشامل، وحماية مؤسسات الدولة، والاستجابة للأزمة الإنسانية، وتهيئة الظروف أمام إعادة بناء السودان بعد الحرب.
وفي هذا السياق، يمكن للتحرك الذي تقوده الجزائر داخل مجلس السلم والأمن الإفريقي أن يمثل فرصة لإعادة تنشيط الدور القاري في الملف السوداني، بشرط أن يستند إلى رؤية واضحة وتنسيق مستمر مع الأطراف الأخرى.
الرهان على السودانيين
في النهاية، يبقى العامل الحاسم في أي تسوية هو قدرة السودانيين أنفسهم على الوصول إلى صيغة توافقية بشأن مستقبل بلادهم.
فالدعم الإفريقي والدولي يمكن أن يوفر الوساطة والضمانات والمساندة، لكنه لا يستطيع بناء سلام مستدام من دون إرادة سودانية حقيقية.
ولهذا فإن نجاح التحرك الإفريقي سيقاس بمدى قدرته على مساعدة السودانيين في استعادة زمام المبادرة، وفتح الطريق أمام حوار واسع، والحفاظ على وحدة السودان وسيادته، وصولا إلى تسوية سياسية تنهي الحرب وتضع أساسا لإعادة بناء الدولة.
وتبقى الرسالة الأهم التي تواجه أي تحرك دولي أو إفريقي: السودان يحتاج إلى مساعدة العالم للوصول إلى السلام، لكنه يحتاج أولا إلى أن يكون السودانيون أصحاب القرار في تحديد شكل هذا السلام ومستقبل دولتهم.