عبدالله يوسف أبوشوك... اختصاصي العلاج النفسي
الفقد غير المرئي : أثر الحروب على الروابط الإنسانية والأمان العاطفي
حين نتحدث عن خسائر الحرب، نتذكر البيوت التي تهدمت، والأشخاص الذين فقدناهم، والأماكن التي غادرناها قسراً. لكن هناك نوعًا آخر من الفقد لا يظهر في قوائم الخسائر، ولا يمكن تصويره بسهولة… إنه فقدان الأمان في العلاقات.
الحرب لا تأخذ منا أشخاصاً فقط، بل قد تغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى الآخرين. الصديق الذي كنا نطمئن إليه، والقريب الذي كان مصدرًا للسند، والمكان الذي كنا نشعر فيه بالأمان… كل ذلك قد يتغير تحت ضغط الخوف والنزوح والفقد والظروف القاسية.
بعد تجارب طويلة من عدم الاستقرار، قد يصبح الإنسان أكثر حذراً في علاقاته. قد يصعب عليه أن يثق، أو أن يعبّر عن مشاعره، أو أن يصدق أن الأمور يمكن أن تستقر من جديد. وقد يصبح أكثر حساسية تجاه الخلافات الصغيرة، لأن النفس المرهقة لا تتعامل مع المواقف بالطريقة نفسها التي كانت تفعلها قبل الحرب.
وهناك فقد آخر أكثر صمتاً: فقدان الحياة التي كنا نعرفها.
جلسة عائلية لم تعد كما كانت، أصدقاء تفرقت بهم الطرق، جيران غابوا، وأماكن كانت تجمع الناس أصبحت مجرد ذكريات. أحياناً لا نفتقد شخصاً بعينه، بقدر ما نفتقد شعورًا كان يأتينا من وجوده.
الأمان العاطفي لا يعني أن تكون حياتنا خالية من المشكلات، بل أن نشعر بأن هناك من يمكننا اللجوء إليه، وأن مشاعرنا مسموعة، وأننا لسنا مضطرين دائماً إلى مواجهة كل شيء وحدنا.
ولهذا، فإن التعافي بعد الحرب لا يحتاج فقط إلى إعادة بناء البيوت والمؤسسات، بل يحتاج أيضاً إلى إعادة بناء الروابط الإنسانية.
نحتاج إلى أن نستعيد ثقافة السؤال عن الآخر، وأن نمنح بعضنا مساحة للاستماع دون أحكام، وأن نفهم أن بعض الأشخاص أصبحوا أكثر صمتاً أو انفعالاً أو ابتعاداً لأنهم يحملون في داخلهم ما لا نراه.
ربما لا نستطيع إعادة كل ما فقدناه، ولا إعادة الزمن إلى ما كان عليه، لكن يمكننا أن نبني علاقات جديدة أكثر أماناً، وأن نخلق مساحات يشعر فيها الإنسان بأنه مقبول ومسموع ومسنود.
فبعض جراح الحرب لا تحتاج إلى دواء بقدر ما تحتاج إلى إنسان يقول لنا:
أنا هنا… يمكنك أن تتحدث، ولن تضطر إلى حمل كل هذا وحدك.
الحرب قد تفرّق الناس عن أماكنهم، وقد تباعد بينهم وبين أحبائهم، لكنها لا ينبغي أن تمنعنا من إعادة بناء جسور الثقة والرحمة والتواصل.
فحين تعود الروابط الإنسانية إلى الحياة، يبدأ شيء آخر في التعافي داخلنا… إحساسنا بأن العالم يمكن أن يكون آمنًا مرة أخرى.