لماذا تم اختيار زهير الطيب بانقا للثقافة والإعلام في الولاية الشمالية؟
سودان ون - تحليل محمد الحسيني
لماذا اختارت الولاية الشمالية الإعلامي زهير الطيب بانقا لقيادة ملف الثقافة والإعلام في هذه المرحلة؟
قد تبدو الإجابة للوهلة الأولى مرتبطة بخبرة الرجل الطويلة في الإعلام والإذاعة والتلفزيون، لكن قراءة أوسع لطبيعة الولاية الشمالية واحتياجاتها تكشف أن المسألة تتجاوز مجرد تعيين إعلامي في موقع إداري، إلى محاولة للبحث عن شخصية تستطيع التعامل مع ملف متعدد الأبعاد، تتقاطع فيه الثقافة والإعلام والسياحة والاستثمار والتنمية والمجتمع.
وكان والي الولاية الشمالية الفريق ركن عبد الرحمن عبد الحميد إبراهيم قد أصدر في 20 سبتمبر 2026 قراراً بتعيين زهير الطيب بانقا أميناً عاماً للمجلس الأعلى للثقافة والإعلام بالولاية، خلفاً للباقر عكاشة عثمان.
وبعد تسلمه مهامه، عرض بانقا أمام والي الولاية رؤية وخطة للنهوض بالعمل الثقافي والإعلامي وتعزيز دوره في التنمية، تضمنت تدريب وتأهيل الكوادر، وتوسيع الشراكات مع الوزارات والمجالس المتخصصة والمحليات، وتفعيل الحضور الإعلامي في المحليات السبع لإبراز الإمكانات الاقتصادية والسياحية والثقافية للمالية. وهنا تحديداً تبدأ الإجابة عن سؤال: لماذا زهير بانقا؟
الشمالية.. ولاية تحتاج إلى إعلام يتجاوز نقل الأخبار
الولاية الشمالية ليست مجرد مساحة جغرافية في أقصى شمال السودان؛ فهي منطقة ذات خصوصية تاريخية وحضارية واقتصادية وجغرافية، وتضم مواقع أثرية وثقافية يمكن أن تشكل قاعدة لصناعة سياحية واسعة.
وتشير بيانات وزارة الاستثمار والصناعة والسياحة بالولاية إلى وجود أكثر من ألف موقع أثري، إلى جانب المعابد والمدافن والمواقع التاريخية والشلالات والعيون الساخنة والمقومات الطبيعية، فيما تنظر حكومة الولاية إلى السياحة باعتبارها جزءاً من البناء الاقتصادي والاستثماري. هذه الثروة تحتاج إلى أكثر من الحفظ والتوثيق.
تحتاج إلى إعلام يعرف كيف يحول الموقع الأثري إلى قصة، والقصة إلى منتج سياحي، والمنتج السياحي إلى فرصة استثمارية. وهنا تبرز أهمية وجود شخصية ذات خلفية إعلامية وثقافية في موقع صناعة الرسالة الإعلامية للولاية.
فالإعلام في مثل هذه البيئة لا ينبغي أن يكون مجرد ناقل لبرامج الحكومة وأنشطتها، وإنما أداة لتعريف الداخل والخارج بما تمتلكه الولاية من إمكانات، ووسيلة لخلق صورة ذهنية جاذبة عنها، خصوصاً أمام المستثمرين والسياح والمؤسسات الثقافية والإعلامية.
من الآثار إلى الاستثمار.. معادلة تحتاج إلى ماكينة إعلامية
تمتلك الشمالية كذلك مقومات في الزراعة والتعدين والصناعة والخدمات والسياحة، وهي قطاعات تحاول الولاية تطويرها واستقطاب الاستثمارات إليها.
وتعرض وزارة الاستثمار بالولاية مجالات استثمارية تشمل الصناعات الغذائية والتعدينية والإنشائية، والمشروعات الزراعية، والسياحة الأثرية والنقل والخدمات اللوجستية. كما شهدت الولاية خلال الفترة الأخيرة تحركات مرتبطة بتطوير أسواق التعدين واستقطاب استثمارات جديدة في القطاع.
لكن الاستثمار لا يبحث فقط عن الأرض والموارد.
إنه يبحث أيضاً عن المعلومة والصورة والبيئة والفرصة التي يمكن الوصول إليها وفهمها. ومن هنا يصبح الإعلام الاقتصادي جزءاً من منظومة الاستثمار.
فحين تمتلك الولاية مشروعاً زراعياً أو موقعاً تعدينياً أو منطقة سياحية أو فرصة صناعية، فإن عدم القدرة على تقديمها إعلامياً بصورة احترافية قد يعني بقاء جزء كبير من قيمتها خارج دائرة الاهتمام.
الحدود الشمالية.. خصوصية جغرافية تضيف مسؤولية أخرى
تمنح الحدود الشمالية مع مصر، إلى جانب موقع الولاية المتاخم لليبيا عبر امتدادها الصحراوي، الولاية أهمية جغرافية خاصة، وتضع على الإعلام المحلي مسؤوليات تتجاوز التغطية الداخلية.
فالحدود ليست مجرد خطوط جغرافية، وإنما مساحات للحركة والتجارة والتواصل الثقافي والإنسانية. وهذا يجعل الحاجة إلى إعلام مهني قادر على تقديم صورة دقيقة ومتوازنة عن الولاية أكثر أهمية، خصوصاً في ظل اتساع دور الإعلام الرقمي والمنصات الاجتماعية في تشكيل صورة المناطق والدول والاقتصادات.
زهير بانقا.. إعلامي يدخل الموقع من بوابة المهنة
أحد أبرز عناصر اختيار زهير الطيب بانقا هو أن الرجل يأتي إلى ملف الثقافة والإعلام من داخل المهنة نفسها. وبحسب السيرة المهنية للرجل، يمتلك بانقا تجربة ممتدة في الصحافة والإذاعة والتلفزيون والعمل البرامجي والإداري، مع مشاركات في مشاريع إعلامية وثقافية ومؤسسات إعلامية سودانية مختلفة.
وتشير سيرته الذاتية إلى ارتباط اسمه بعدد من التجارب الإعلامية، بينها العمل في إذاعة أم درمان وإذاعة الشرطة "ساهرون"، إضافة إلى مواقع إدارية وبرامجية في مؤسسات إعلامية أخرى، ومشاركته في مشروعات ذات طابع ثقافي وإعلامية كبرى مثل "سنار عاصمة الثقافة الإسلامية" و"سودابيديا".
وتكمن أهمية هذه الخلفية في أن ملف الثقافة والإعلام يحتاج إلى شخصية تفهم طبيعة صناعة المحتوى، وتدرك الفارق بين مجرد النشاط الإعلامي وبين بناء مؤسسة إعلامية قادرة على صناعة التأثير.
الثقافة ليست ترفاً.. بل أداة للاستقرار والتنمية
في الولاية الشمالية، يمكن للثقافة أن تلعب دوراً يتجاوز الفنون والمهرجانات. فالتراث النوبي، والموسيقى، والشعر، والأدب، والفنون الشعبية، والحرف والصناعات التقليدية، والذاكرة المحلية، كلها مكونات يمكن أن تدخل في صناعة اقتصادية وسياحية وثقافية متكاملة.
كما يمكن للثقافة أن تصبح مساحة للتواصل بين الأجيال، وتعزيز الهوية المحلية، وفتح مساحات للحوار المجتمعي، وإبراز المواهب، وتوفير منصات للمبدعين.
ولهذا فإن وجود مسؤول يجمع بين المعرفة الإعلامية والخلفية الثقافية يمكن أن يمنح الملف فرصة للانتقال من إدارة النشاط الثقافي إلى صناعة مشروع ثقافي.
وهذه النقطة تبدو حاضرة بالفعل في رؤية بانقا المعلنة؛ إذ أكد عقب تسلمه مهامه أن الثقافة والإعلام يمثلان ركيزة أساسية لتحقيق التنمية وخدمة المجتمع، مع التركيز على تطوير الكوادر والشراكات والحضور في المحليات.
من "إعلام الحكومة" إلى "إعلام الولاية"
التحدي الأكبر أمام الإدارة الجديدة ربما لا يتمثل في زيادة الأخبار المنشورة، وإنما في إعادة تعريف وظيفة الإعلام الولائية. فالشمالية تحتاج إلى إعلام يستطيع أن يقول للسودانيين والعالم:
هذه هي الشمالية.. وهذه حضارتها، وهذه مواردها، وهذه فرصها، وهذا مجتمعها، وهذه قصص نجاحها.
إعلام يرصد النشاط الحكومي، لكنه في الوقت ذاته يفتح نافذة على المجتمع.
إعلام يشرح للمستثمر أين توجد الفرصة، وللسائح أين يوجد الموقع، وللباحث أين توجد المعلومة، وللمبدع أين توجد المنصة، وللمواطن ماذا يحدث في ولايته.
وهذه الرؤية تتقاطع مع ما أعلنه بانقا من توجه لتفعيل الحضور الإعلامي في المحليات السبع وإبراز الإمكانات الاقتصادية والسياحية والثقافية للولاية.
شخصية إعلامية أمام اختبار تنفيذي
الانتقال من الاستوديو إلى الإدارة ليس انتقالاً بسيطاً. الموقع الجديد يتطلب القدرة على إدارة المؤسسات والكوادر، وبناء العلاقات مع الوزارات والمجالس والمحليات، وإدارة الملفات الثقافية والإعلامية في وقت واحد، وتحويل الأفكار إلى برامج قابلة للتنفيذ، وهذا ما يتميز به الأستاذ زهير الطيب بانقا. وهنا ستصبح الخبرة الإدارية والإعلامية معاً عاملاً مهماً في اختبار تجربة بانقا.
فالمطلوب ليس فقط أن يكون الرجل مذيعاً أو إعلامياً ناجحاً، وإنما أن ينجح في توظيف خبرته الإعلامية داخل مؤسسة حكومية وثقافية، وأن يحولها إلى سياسات وبرامج وشراكات ونتائج ملموسة.
الرهان الحقيقي.. هل تتحول الشمالية إلى قصة إعلامية؟ ربما يكون السؤال الأهم الآن ليس: لماذا تم اختيار زهير الطيب بانقا؟
بل: ماذا يستطيع زهير بانقا أن يفعل بهذا الاختيار؟
فالولاية الشمالية تمتلك عناصر القصة بالفعل: حضارة عريقة، مواقع أثرية، نهر النيل، زراعة، تعدين، صناعة، استثمار، ثقافة، فنون، أدب، مجتمع متنوع، وموقع جغرافي يمنحها خصوصية إضافية.
المطلوب هو تحويل هذه العناصر المتفرقة إلى قصة واحدة متماسكة عن ولاية تمتلك التاريخ والموارد والفرص. وهنا يمكن أن يصبح الإعلام شريكاً مباشراً في التنمية، لا مجرد مرآة لها.
ومن اللافت أن بانقا بدأ بالفعل من هذه النقطة؛ فقد تحدث في أحدث تحركاته عن أهمية التكامل بين الثقافة والإعلام والسياحة، وعن استخدام الأدوات الإعلامية للترويج للمواقع الأثرية والمدن التاريخية وإبراز الكفاءات المحلية والصناعات التقليدية والتراث.
الاختيار يضع سقفاً مرتفعاً للتوقعات
لهذا يمكن فهم تعيين زهير الطيب بانقا في سياق أوسع من مجرد تغيير إداري. إنها تجربة ستختبر قدرة الإعلامي القادم من رحم المهنة على التعامل مع ولاية تمتلك ثروة ثقافية وحضارية واقتصادية كبيرة، وتحتاج إلى تقديم هذه الثروة بصورة أكثر احترافية أمام الداخل والخارج.
وبالنسبة لزهير بانقا، فإن امتلاك الخبرة الإعلامية والثقافية والإدارية قد يوفر قاعدة مناسبة لهذه المهمة، لكن النجاح في النهاية سيقاس بما سيتحول من أفكار إلى مشاريع، ومن مشاريع إلى نتائج، ومن نتائج إلى حضور حقيقي للولاية في خارطة السياحة والثقافة والإعلام والاستثمار في السودان.
فالشمالية لا ينقصها ما يُروى.
ما تحتاجه هو من يعرف كيف يروي قصتها، وكيف يحول الرواية إلى تأثير، والتأثير إلى فرصة، والفرصة إلى تنمية. وربما يكون هذا هو المعنى الأعمق لاختيار زهير الطيب بانقا في هذه المرحلة.