باب المندب يهدد اقتصاد السودان.. كيف تصل أزمة البحر الأحمر إلى بورتسودان؟

بورتسودان - سودان ون

لم يعد التصعيد المتسارع على الساحل الغربي لليمن قضية أمنية محلية أو صراعاً بعيداً عن السودان. فمع اقتراب التوتر من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، يعود شريان التجارة السودانية إلى واجهة المخاطر الإقليمية.

ويكتسب التطور أهمية خاصة بالنسبة للسودان، الذي يعتمد بصورة كبيرة على ميناء بورتسودان في استقبال الواردات وإدخال الوقود والغذاء والأدوية والمساعدات، فيما يمثل البحر الأحمر منفذاً رئيسياً لحركة التجارة الخارجية في بلد أنهكته الحرب وتراجع الإنتاج واضطراب سلاسل الإمداد.

وتأتي هذه المخاوف في وقت تشهد فيه منطقة باب المندب تصعيداً جديداً. فقد أفادت تقارير حديثة بتقدم جماعة الحوثي على الساحل اليمني وسيطرتها على ميناء المخا ومواقع وجزر استراتيجية، ما يرفع المخاطر المحيطة بأحد أهم ممرات الملاحة بين آسيا وأوروبا.

باب المندب ... بوابة السودان البحرية غير المباشرة

يقع مضيق باب المندب بين اليمن من جهة، وجيبوتي وإريتريا من جهة أخرى، ويربط خليج عدن بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط.

وتكمن أهميته للسودان في أن السفن القادمة من آسيا والخليج باتجاه بورتسودان تمر ضمن منظومة الملاحة البحرية المرتبطة بهذا الممر.

ولا يعني ذلك أن كل سفينة متجهة إلى السودان تسلك المسار ذاته أو أن جميع الواردات السودانية تمر عبر باب المندب، لكن أهمية المضيق تكمن في كونه جزءاً أساسياً من الطريق البحري الذي يربط الموانئ السودانية بشبكة التجارة الآسيوية والعالمية.

ولهذا فإن ارتفاع مستوى المخاطر في المنطقة يمكن أن يتحول سريعاً من أزمة أمن ملاحي إلى زيادة في تكلفة النقل والتأمين ومدة الرحلات.

وتؤكد بيانات وتقارير ملاحية حديثة أن شركات الشحن اضطرت بالفعل في فترات سابقة إلى إعادة توجيه سفن حول رأس الرجاء الصالح لتجنب البحر الأحمر وباب المندب، وهو مسار أطول وأكثر تكلفة. كما أعلنت شركات كبرى تعليق بعض الرحلات عبر باب المندب وتحويلها حول أفريقيا عندما تصاعدت المخاطر الأمنية.

الوقود.. أول خط اقتصادي يتلقى الصدمة

ربما يكون قطاع الوقود أحد أكثر القطاعات السودانية حساسية لأي اضطراب طويل في حركة الملاحة.

وتشير تقديرات منشورة إلى أن السودان يعتمد بدرجة كبيرة على الوقود المستورد عبر البحر الأحمر، مع تقديرات لواردات الديزل تتراوح بين 60 و70 ألف طن شهرياً، أي ما يعادل نحو 720 إلى 840 ألف طن سنوياً.

وأي ارتفاع في كلفة نقل هذه الكميات لا يتوقف عند فاتورة السفينة. فالزيادة تبدأ من التأمين البحري، ثم أجور الشحن، ثم زمن الرحلة، ثم تكاليف الموانئ والتخزين والنقل الداخلي، قبل أن تصل في النهاية إلى المستهلك.

وفي اقتصاد يعاني أصلاً من ضعف العملة وارتفاع تكلفة النقل، يمكن لأي زيادة في تكلفة الوقود أن تمتد إلى أسعار السلع والخدمات والكهرباء والنقل العام والخاص.

وبذلك يصبح باب المندب عاملاً خارجياً قادراً على تغذية الضغوط التضخمية داخل السودان حتى من دون توقف كامل للملاحة.

الغذاء والدواء... الخطر لا يتوقف عند النفط

ولا تقتصر حساسية السودان تجاه الممر البحري على الوقود. فميناء بورتسودان يمثل نقطة دخول مهمة للغذاء والدواء والإمدادات الإنسانية، وفق تقارير تتابع الوضع الاقتصادي والإنساني في السودان.

ومع استمرار الحرب وتراجع قدرة قطاعات الإنتاج والنقل على العمل بصورة طبيعية، تصبح كلفة الاستيراد وزمن وصول الشحنات عاملين أساسيين في استقرار الأسواق.

وهنا تظهر خطورة أي اضطراب ممتد في البحر الأحمر: السفينة التي تتأخر أو تغير مسارها لا تحمل فقط تكلفة إضافية على شركة الشحن، وإنما قد تحمل هذه التكلفة في النهاية إلى السوق السودانية.

وكلما طال المسار، زادت الحاجة إلى الوقود والتأمين والتمويل، وارتفعت احتمالات التأخير في وصول الشحنات.

ماذا يحدث إذا اختارت السفن طريق رأس الرجاء الصالح؟

البديل الرئيسي أمام شركات الشحن عند ارتفاع المخاطر في البحر الأحمر هو الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا.

لكن هذا البديل ليس مجانياً. فالرحلة الأطول تعني استهلاكاً أكبر للوقود، وأياماً إضافية في البحر، وتكاليف تأمين وتشغيل أعلى، إضافة إلى اضطراب جداول السفن والحاويات.

وقد شهدت الملاحة الدولية بالفعل عمليات تحويل للسفن بعيداً عن باب المندب وقناة السويس باتجاه رأس الرجاء الصالح عندما ارتفعت المخاطر الأمنية في البحر الأحمر.

وبالنسبة للسودان، فإن المشكلة لا تكمن فقط في ارتفاع تكلفة الرحلة، وإنما في أن أي زيادة تأتي فوق اقتصاد يعاني أصلاً من آثار الحرب وتراجع الإنتاج وتدهور القدرة الشرائية.

صادرات السودان أمام معادلة أكثر تعقيداً

لا تتأثر الواردات وحدها. فأي ارتفاع في كلفة النقل البحري يضعف أيضاً القدرة التنافسية للصادرات السودانية التي تحتاج إلى الوصول إلى الأسواق الخارجية عبر الموانئ.

ويشمل ذلك منتجات زراعية وحيوانية ومعادن وغيرها من السلع التي تمثل مصادر مهمة للعملة الأجنبية. وفي حالة الذهب تحديداً، تختلف مسارات التجارة بين القنوات الرسمية وغير الرسمية، ولذلك من الأفضل عدم اختزال تجارة الذهب السودانية كلها في حركة السفن عبر باب المندب.

لكن بالنسبة للصادرات التي تعتمد على النقل البحري النظامي، فإن ارتفاع كلفة الشحن والتأمين يمكن أن يقلل هامش الربح ويرفع تكلفة الوصول إلى الأسواق الخارجية.

الاستثمار... الخطر غير المرئي

قد يكون التأثير الأطول أمداً للأزمة في الاستثمار. فالمستثمر لا ينظر فقط إلى سعر الأرض أو حجم السوق، وإنما يسأل عن قدرة المشروع على إدخال المعدات والمواد الخام، ثم إخراج المنتجات إلى الأسواق.

وفي السودان، ترتبط مشاريع كثيرة بالموانئ والطرق البحرية، خصوصاً في قطاعات الطاقة والزراعة والصناعة والخدمات اللوجستية.

لذلك فإن استمرار التوتر في البحر الأحمر يضيف طبقة جديدة من المخاطر إلى بيئة استثمارية تعاني أصلاً من تداعيات الحرب.

ويعني ذلك أن المشكلة ليست فقط في "سعر الشحنة"، وإنما في قدرة المستثمر على التنبؤ بتكلفة المشروع وموعد وصول المعدات والمواد الخام.

السودان بين باب المندب وهرمز

تزداد حساسية الوضع عندما يوضع باب المندب في سياق أوسع يشمل مضيق هرمز. فالتوتر في هرمز يضغط على أسواق الطاقة، بينما يؤدي اضطراب باب المندب إلى تهديد المسار البحري الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي.

وتشير بيانات حديثة إلى استمرار انخفاض حركة العبور في مضيق هرمز، فيما شهد باب المندب أيضاً مستويات حركة أقل من المتوسط في بعض الفترات الأخيرة.

وهذا يضع الاقتصادات المستوردة للطاقة والغذاء أمام معادلة صعبة: ارتفاع أسعار الطاقة من جهة، وارتفاع تكلفة نقل السلع من جهة أخرى. وبالنسبة للسودان، فإن اجتماع العاملين في وقت واحد يمكن أن يزيد الضغوط على الأسعار وسوق النقد الأجنبي.

هل يعني ذلك أن بورتسودان مهددة بالتوقف؟

ليس بالضرورة. وهذه نقطة مهمة في قراءة المشهد. فالتقارير الملاحية الحديثة لا تشير إلى توقف كامل للملاحة عبر باب المندب، كما أن شركات الشحن تملك خيارات لإعادة توجيه السفن عند ارتفاع المخاطر.

لكن المشكلة تكمن في تكلفة هذه البدائل. فحتى عندما تستمر السفن في الوصول إلى بورتسودان، قد تصل بتكلفة أعلى، أو بعد وقت أطول، أو في ظل شروط تأمين أكثر صرامة. وهنا تحديداً تظهر حساسية الاقتصاد السوداني.

المعادلة التي يجب أن يراقبها السودان يمكن اختصار التأثير المحتمل في سلسلة اقتصادية واضحة:

تصعيد في باب المندب
⬇️
ارتفاع مخاطر الملاحة والتأمين
⬇️
تحويل بعض السفن إلى طرق أطول
⬇️
ارتفاع تكلفة الشحن وزمن الوصول
⬇️
زيادة تكلفة الواردات إلى بورتسودان
⬇️
ارتفاع الضغط على الوقود والغذاء والدواء
⬇️
انعكاس إضافي على الأسعار والنقل والتضخم

وهذه السلسلة لا تعني أن كل ارتفاع في تكلفة الشحن سيصل بنفس النسبة إلى المستهلك السوداني، لكنها توضح كيف يمكن لاضطراب جيوسياسي بعيد عن الحدود السودانية أن يتحول إلى ضغط اقتصادي داخل الأسواق المحلية.

ما الذي ينبغي أن تراقبه الخرطوم؟

في المرحلة المقبلة، ستكون هناك مجموعة من المؤشرات أكثر أهمية من مجرد أخبار المعارك في اليمن. أولها حركة السفن عبر باب المندب، وثانيها أسعار التأمين على السفن المتجهة إلى البحر الأحمر، وثالثها أسعار الوقود العالمية، إضافة إلى أسعار الشحن من موانئ الخليج وآسيا إلى بورتسودان.

كما سيكون من المهم متابعة قدرة ميناء بورتسودان على المحافظة على انتظام عمليات المناولة والتفريغ والتخزين، لأن أي اختناق في الميناء بالتزامن مع أزمة الملاحة الخارجية يمكن أن يضاعف التأثير.

خلاصة القول

لا يعيش السودان أزمة باب المندب بمعزل عن الحرب التي تدور داخله. فالحرب أضعفت الإنتاج، ورفعت الاعتماد على الاستيراد، وضغطت على العملة والأسواق، بينما يأتي اضطراب البحر الأحمر ليضيف طبقة جديدة من المخاطر على سلاسل الإمداد.

ولهذا فإن أهمية باب المندب بالنسبة للسودان لا تكمن في المضيق نفسه، وإنما في ما يربطه ببورتسودان والوقود والغذاء والتجارة والأسعار. وإذا استمر التصعيد في البحر الأحمر، فإن السؤال بالنسبة للسودان لن يكون فقط: هل ستتوقف السفن؟

بل سيكون السؤال الأكثر أهمية: كم ستكلف الرحلة إلى بورتسودان إذا أصبح المرور عبر باب المندب أكثر خطورة؟

وهنا تبدأ القصة الاقتصادية الحقيقية.