منافسة لحفر القبور وسباق داخل مقبرة... مسابقة غريبة في المجر تحوّل الموت إلى تحدٍّ غير متوقع، تخيّل أنك تحضر بطولة عالمية، وبدل أن تشاهد لاعبين يركضون خلف كرة أو يتسابقون على خط النهاية، تجد فرقاً مسلحة بالمجارف تتسابق لحفر قبر بأدق المقاييس الممكنة، وسط تصفيق جمهور حاضر بكامل حماسه. يبدو الأمر وكأنه مشهد من فيلم كوميدي أسود، لكنه حقيقي تماماً ويقام كل عام في المجر. هذه البطولة، التي قد تبدو للوهلة الأولى غريبة أو حتى صادمة، تحمل خلفها قصة إنسانية عن مهنة نادراً ما يلتفت إليها أحد، رغم أن كل واحد منا سيحتاجها يوماً ما.
فرصة لشركات الإنتاج الإعلامي ... مناقصة دولية لتوثيق مشروع صحي في 4 ولايات سودانية
قصة مسابقة حفر القبور في المجر: كيف بدأت الفكرة
منذ عام 2016، وباستثناء فترة توقف بسبب جائحة كورونا في عامي 2020 و2021، تنظّم جمعية مشغّلي وصيانة المقابر في المجر بطولة سنوية تحت اسم "البطولة الدولية لحفر القبور". الفكرة ببساطة هي دعوة حفّاري القبور من مختلف أنحاء العالم للتنافس على لقب "بطل العالم" في هذه المهنة التي لا يفكر فيها أحد إلا عند الحاجة إليها. الهدف المعلن من المنظمين ليس السخرية أو الإثارة، بل بالعكس تماماً؛ إذ يريدون تسليط الضوء على مهنة شاقة، ومنحها بعض التقدير الذي تستحقه، وربما جذب أجيال جديدة إليها في وقت أصبح فيه إيجاد من يعمل بهذه المهنة تحدياً حقيقياً في كثير من الدول.
قواعد بطولة حفر القبور: كيف تسير المنافسة؟
لا مجال هنا للعشوائية. المتسابقون يعملون في فرق ثنائية، وكل فريق مطالب بحفر قبر بمواصفات دقيقة جداً: طول مترين، وعرض 80 سنتيمتراً، وعمق متر و60 سنتيمتراً، وكل هذا في مهلة أقصاها ساعتان فقط. لكن المهمة لا تنتهي عند الحفر؛ فبعد إنجاز القبر، على الفريق نفسه أن يعيد نحو 2.5 طن من التراب إلى الحفرة، ويشكّلها على هيئة تلة دفن أنيقة ومرتبة، وكأنها لوحة فنية لا مجرد كومة تراب.
الأمر الذي قد يظن البعض أنه عمل بدني بحت، يتضح أنه يتطلب دقة وحساً فنياً حقيقياً، فليس المطلوب فقط أن تحفر بسرعة، بل أن تحفر بشكل مستقيم، متناسق، وجميل في آنٍ واحد.
معايير التحكيم في مسابقة حفر القبور
يخضع أداء كل فريق لتقييم على مقياس من عشر نقاط، ويُبنى هذا التقييم على ثلاثة عناصر رئيسية: السرعة، والدقة في الالتزام بالمقاسات، وجمالية الشكل النهائي. بمعنى آخر، فريق يحفر بسرعة فائقة لكنه يترك حواف غير مستقيمة أو تلة تراب مبعثرة، لن يحصل على المركز الأول مهما كان سريعاً. هذا التوازن بين العمل اليدوي الشاق والدقة الحرفية هو ما يمنح هذه البطولة طابعها الخاص، ويجعلها أقرب لمنافسة مهنية حقيقية منها إلى مجرد استعراض غريب.
من فاز ببطولة العالم لحفر القبور 2026
أُقيمت النسخة الثامنة من البطولة في السادس من سبتمبر، وتمكّن الفريق المجري "باراكليتوش" من الحفاظ على لقبه للعام الثاني على التوالي، بعدما أنهى المهمة في زمن قياسي بلغ نحو ساعة وثلاث وثلاثين دقيقة، وهو رقم يعكس مستوى عالياً من التدريب والتنسيق بين أفراد الفريق. أما على الجانب الآخر، فقد كان الحظ أقل ابتساماً لفريق روسيا، الذي مثّل موظفو محرقة في مدينة نوفوسيبيرسك، وحلّوا في المركز الأخير، مبررين ذلك بارتفاع درجات الحرارة أثناء المنافسة، في تعليق أثار موجة من التعليقات الساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي.
الفريق الفائز لا يحصل على جائزة مالية ضخمة كما هو الحال في البطولات الرياضية الكبرى، بل يُمنح كأساً وشهادة تقدير من الجمعية المنظمة، فالفكرة هنا تقوم على التكريم الرمزي أكثر من كونها مسابقة تجارية.
لماذا تثير مسابقة حفر القبور في المجر كل هذا الجدل
الجواب بسيط: التناقض. حين يجتمع مفهوم "الموت"، وهو من أثقل المواضيع على النفس البشرية، مع أجواء احتفالية فيها جمهور وتصفيق ومنافسة ومرح، يصبح المشهد لافتاً بطبيعته. البعض يرى في الحدث نوعاً من الفكاهة السوداء، بينما يعتبره آخرون فرصة نادرة لتكريم مهنة تُنجز غالباً في صمت وبعيداً عن الأضواء. وعلى منصات التواصل، انقسمت ردود الأفعال بين من وصفه بأغرب بطولة شاهدها في حياته، ومن رأى فيه طريقة طريفة لتقدير عمل شاق لا يحظى عادة بالتقدير الذي يستحقه.
وبعيداً عن الجدل، تبقى الرسالة الأعمق للحدث واضحة: أحياناً، أكثر المهن التي نتجاهلها هي بالضبط تلك التي نحتاجها في أصعب لحظاتنا.
أسئلة شائعة حول مسابقة حفر القبور في المجر
منذ متى تقام هذه البطولة؟
تُقام منذ عام 2016 بشكل سنوي، باستثناء عامي 2020 و2021 بسبب جائحة كورونا.
من يشارك في البطولة؟
حفّارو قبور محترفون من دول مختلفة حول العالم، يتنافسون في فرق مكوّنة من شخصين.
كم من الوقت يُمنح للفريق لإنجاز القبر؟
ساعتان فقط، تشمل الحفر بالمواصفات المطلوبة وإعادة التراب لتشكيل تلة الدفن.
على أي أساس يتم التحكيم؟
على ثلاثة معايير أساسية: السرعة، والدقة في المقاسات، والجمالية النهائية للعمل.
من فاز بالبطولة في نسختها الأخيرة؟
فاز الفريق المجري "باراكليتوش" باللقب للعام الثاني على التوالي.
هل تُقدَّم جوائز مالية للفائزين؟
لا، الجائزة رمزية وتتمثل في كأس وشهادة تقدير، إذ الهدف الأساسي هو تكريم المهنة وليس المنافسة المادية.
خاتمة
قد تبدو فكرة التسابق على حفر القبور غريبة أو حتى غير لائقة للوهلة الأولى، لكنها في جوهرها محاولة صادقة لإعادة الاعتبار لمهنة يعمل أصحابها بصمت، بعيداً عن أي تقدير أو ضوء إعلامي. بين الجدية والفكاهة، تنجح هذه البطولة المجرية كل عام في تذكيرنا بأن وراء كل تفصيلة صغيرة من تفاصيل الحياة، هناك من يعمل بجدّ لإنجازها على أكمل وجه، حتى لو كانت تلك التفصيلة هي اللحظة الأخيرة التي نودّع فيها هذه الدنيا.