بورتسودان - سودان ون
أعاد تأخر إحدى الرحلات الجوية الدولية في مطار بورتسودان الدولي، بسبب عدم وجود عدد من ضباط الجمارك في مواقعهم وفق التوقيت المحدد، طرح أسئلة تتجاوز حدود الرحلة المتأخرة، لتصل إلى كفاءة منظومة التشغيل في أحد أهم المطارات السودانية خلال المرحلة الحالية.
وبحسب ما أوردته منصة طيران بلدنا، تقدمت الخطوط الجوية التركية بشكوى إلى إدارة مطار بورتسودان الدولي على خلفية تأخر رحلتها لأكثر من ساعة، وسط حديث عن غياب عدد من ضباط الجمارك عن مواقعهم في الوقت المحدد.
وفي حال تأكدت الواقعة، فإن القضية لا تتعلق فقط بساعة تأخير، وإنما بمدى قدرة جميع الجهات العاملة داخل المطار على الالتزام بجدول الرحلات والتنسيق فيما بينها، خصوصاً أن تشغيل الرحلات الدولية يعتمد على سلسلة مترابطة من الإجراءات تبدأ قبل وصول الطائرة وتستمر حتى مغادرة المسافرين وإنهاء إجراءاتهم.
تأخير الرحلات.. مشكلة تتجاوز المسافر
في قطاع الطيران، لا يُنظر إلى التأخير باعتباره دقائق ضائعة فقط. فتعطل إجراء واحد يمكن أن يؤثر في جدول الرحلة، وحركة الطائرة التالية، وعمليات الربط، وطاقم الطائرة، إضافة إلى مصالح المسافرين وشركة الطيران.
ولهذا فإن وجود موظفي الجهات المختصة في مواقعهم في الوقت المحدد يمثل جزءاً أساسياً من منظومة السلامة والكفاءة التشغيلية، وليس مسألة إدارية هامشية.
وفي مطار بورتسودان، الذي اكتسب أهمية استثنائية باعتباره بوابة جوية رئيسية للسودان خلال الظروف الحالية، تصبح مسألة الانضباط والتنسيق أكثر أهمية.
من المسؤول عن التأخير؟
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: لماذا تأخرت الرحلة؟
بل: من المسؤول عندما تتعطل الرحلة بسبب غياب جهة يفترض أن تكون موجودة في موعدها؟
الإجابة ينبغي أن تستند إلى التحقيق والتوثيق، وليس إلى الافتراضات.
فإذا ثبت أن السبب كان تقصيراً فردياً، فمن الطبيعي أن تكون هناك إجراءات إدارية وفق اللوائح المعمول بها. أما إذا كشفت الواقعة عن خلل في نظام المناوبات أو التنسيق بين الجهات العاملة بالمطار، فإن المسؤولية تصبح مؤسسية وتتطلب معالجة أوسع.
الأهم هو ألا تتحول مثل هذه الحوادث إلى نمط متكرر، لأن تكرار التأخير الناتج عن أسباب يمكن تفاديها قد يؤثر في ثقة شركات الطيران بالمطار وجدوى تشغيل الرحلات إليه.
بورتسودان.. بوابة السودان الجوية
تزايدت أهمية مطار بورتسودان الدولي خلال الفترة الماضية بصورة كبيرة، وأصبح بالنسبة إلى كثير من السودانيين والمسافرين الدوليين نقطة اتصال أساسية مع الخارج.
وهذا الواقع يفرض على إدارة المطار وجميع الجهات العاملة فيه التعامل مع التشغيل وفق معايير أكثر صرامة.
فالمطار لا يعمل بواسطة إدارة واحدة فقط، وإنما من خلال منظومة تضم سلطات الطيران والجمارك والهجرة والأمن وشركات الطيران والخدمات الأرضية وغيرها من الجهات.
وأي خلل في حلقة من هذه السلسلة يمكن أن ينعكس على بقية المنظومة.
هل تكفي التوجيهات الإدارية؟
معالجة مثل هذه الوقائع لا ينبغي أن تتوقف عند إصدار توجيهات عامة بشأن الالتزام بالدوام.
المطلوب هو وجود نظام تشغيلي واضح مرتبط مباشرة بجدول الرحلات، بحيث تكون كل جهة مسؤولة عن ضمان وجود طاقمها في الموقع قبل الوقت المحدد، مع تحديد مسؤول تشغيل يمكنه التدخل الفوري في حال حدوث أي غياب أو طارئ.
كما أن توثيق أسباب التأخير ينبغي أن يكون جزءاً ثابتاً من إدارة المطار، بما يسمح بتحديد الجهة المسؤولة عن كل حالة، ومعرفة ما إذا كانت المشكلة فردية أم متكررة.
شركات الطيران الدولية.. السودان يحتاجها
في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، يمثل استمرار الرحلات الدولية إلى السودان أهمية تتجاوز قطاع الطيران نفسه.
فالرحلات الجوية تسهّل حركة المواطنين، وتدعم النشاط التجاري والاستثماري، وتخدم المنظمات والبعثات الدبلوماسية، وتربط السودان بالأسواق والمراكز الإقليمية والدولية.
لذلك فإن الحفاظ على شركات الطيران العاملة في السودان لا يرتبط فقط بتوفير الرحلات، وإنما أيضاً بقدرة المطارات على تقديم مستوى مستقر من الخدمة والانضباط التشغيلي.
ومن هنا، فإن أي حديث عن احتمال تضرر تشغيل شركة دولية نتيجة مشكلات تشغيلية متكررة يجب أن يُنظر إليه بجدية، مع ضرورة التحقق من التفاصيل من الجهات المعنية وشركة الطيران نفسها.
المطلوب تحقيق واضح
الخطوة الأهم الآن هي أن توضح الجهات المسؤولة ملابسات الواقعة للرأي العام، وأن تحدد ما إذا كان التأخير قد حدث بالفعل بسبب غياب موظفين عن مواقعهم، وما الإجراءات التي اتخذت لمعالجة الأمر ومنع تكراره.
فالهدف ليس تحميل مؤسسة بعينها المسؤولية مسبقاً، ولا توجيه الاتهام إلى العاملين في الجمارك أو المطار، وإنما ضمان أن تعمل المنظومة وفق قواعد واضحة تحمي حقوق المسافرين وشركات الطيران وتحافظ على سمعة السودان.
مطار بورتسودان ليس مجرد محطة عبور في ظرف استثنائي، بل أصبح واجهة جوية مهمة للسودان.
ولهذا فإن رفع كفاءة تشغيله، وضبط التنسيق بين الجهات المختلفة، ومحاسبة المقصرين عند ثبوت التقصير، ليست إجراءات إدارية عادية؛ بل جزء من حماية مصالح السودان والحفاظ على علاقاته الجوية الدولية.
وفي النهاية، فإن أفضل إدارة للأزمات هي التي تمنع حدوثها قبل أن تبدأ. وإذا كانت واقعة تأخر الرحلة التركية قد كشفت خللاً قابلاً للإصلاح، فإن تحويلها إلى فرصة لمراجعة منظومة التشغيل سيكون أكثر فائدة من انتظار حادثة جديدة لتكرار السؤال نفسه: من المسؤول؟