باب المندب تحت الضغط.. كيف يهدد التقدم الحوثي أمن الملاحة والبحر الأحمر والسودان؟
بورتسودان - سودان ون | 17 سبتمبر 2026
لم يعد باب المندب مجرد نقطة جغرافية استراتيجية في خريطة البحر الأحمر، بل تحول مجدداً إلى واحدة من أكثر نقاط الاختناق البحري حساسية في العالم، بعد التطورات العسكرية المتسارعة على الساحل الغربي لليمن ووصول جماعة الحوثيين إلى جزيرة ميون ومناطق ساحلية تطل مباشرة على المضيق.
وخلال سبتمبر الجاري، تمكن الحوثيون من السيطرة على مدينة المخا ومناطق ساحلية أخرى، قبل الوصول إلى جزيرة ميون، المعروفة أيضاً باسم بريم، والتي تقع في قلب باب المندب وتقسم أضيق أجزاء المضيق إلى ممرين ملاحيين. وأكدت تقارير دولية أن التطور عزز الموقع العسكري للحوثيين بالقرب من أحد أهم طرق التجارة العالمية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن حركة الملاحة الدولية توقفت، لكن التطور يغيّر طبيعة المخاطر المحيطة بها؛ إذ باتت قوة مسلحة تمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة موجودة جغرافياً بالقرب من الممر الملاحي نفسه.
ماذا تعني السيطرة على ميون؟
تكتسب جزيرة ميون أهميتها من موقعها داخل مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ومن ثم يشكل جزءاً من الطريق البحري الذي يصل آسيا بأوروبا عبر قناة السويس.
ووفق تقارير حديثة، أدى وصول الحوثيين إلى ميون بعد سيطرتهم على المخا ومناطق ساحلية أخرى إلى تعزيز وجودهم على جانبي الساحل اليمني المطل على المضيق.
وتكمن حساسية التطور في أن التهديد البحري لا يعتمد فقط على مدى الصواريخ أو الطائرات المسيّرة، وإنما أيضاً على الموقع الذي تُطلق منه هذه الوسائل.
فكلما اقترب مصدر التهديد من خطوط الملاحة، تقل المسافة الزمنية المتاحة أمام السفن لاتخاذ إجراءات الحماية والمناورة، فيما يصبح الساحل والجزر القريبة من الممر جزءاً من الحسابات الأمنية للملاحة الدولية.
باب المندب... لماذا يهم العالم؟
يمر عبر باب المندب جزء مهم من حركة التجارة والطاقة العالمية، ويشكل المضيق مع البحر الأحمر وقناة السويس أحد الطرق الرئيسية بين آسيا وأوروبا.
وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى ارتفاع تدفقات النفط الخام والمنتجات النفطية عبر باب المندب من 5.4 ملايين برميل يومياً في الربع الأخير من 2025 إلى 8.1 ملايين برميل يومياً في الربع الثاني من 2026، وهو ارتفاع كبير يعكس الأهمية المتزايدة للممر في حركة الطاقة خلال الفترة الأخيرة.
وتأتي هذه الأهمية في وقت تشهد فيه المنطقة اضطرابات متزامنة في مضيق هرمز، ما زاد من حساسية طرق التصدير البديلة عبر البحر الأحمر.
وبالتالي، فإن أي اضطراب طويل الأمد في باب المندب يمكن أن ينعكس على تكلفة النقل والتأمين ومدة الرحلات البحرية وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.
التهديد ليس جديداً... لكن الجغرافيا تغيرت
سبق للحوثيين أن شنوا هجمات على سفن تجارية في البحر الأحمر، ما دفع شركات شحن دولية إلى تغيير مسارات سفنها والابتعاد عن البحر الأحمر في فترات سابقة.
لكن التطورات الأخيرة تضيف عاملاً جديداً: الوجود العسكري المباشر بالقرب من المضيق.
وتشير تقارير دولية إلى امتلاك الحوثيين ترسانة تشمل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، مع وجود تقارير أممية ودولية عن حصول الجماعة على تقنيات ومكونات عسكرية عبر شبكات تهريب ودعم إيراني.
كما أظهرت بيانات حركة السفن خلال الأشهر الماضية أن الهجمات والتهديدات في البحر الأحمر يمكن أن تؤدي سريعاً إلى انخفاض حركة الملاحة وارتفاع المخاطر التشغيلية على شركات النقل. ففي يوليو، تراجعت حركة السفن التجارية عبر باب المندب بصورة ملحوظة عقب هجمات مرتبطة بالتصعيد الإقليمي.
مجلس الأمن أبقى الملف تحت المراقبة
وتعكس أهمية الملف استمرار اهتمام مجلس الأمن الدولي بأمن الملاحة في البحر الأحمر.
ففي 14 يوليو 2026، اعتمد المجلس القرار 2826 الذي مدد حتى 15 يناير 2027 آلية الإبلاغ الشهري للأمين العام بشأن هجمات الحوثيين على السفن التجارية وسفن النقل في البحر الأحمر. وصدر القرار بأغلبية 13 صوتاً مقابل امتناعين.
ويعني ذلك أن أمن الملاحة في البحر الأحمر لا يُنظر إليه باعتباره شأناً يمنياً داخلياً فقط، وإنما باعتباره ملفاً ذا تداعيات دولية مرتبطة بحرية الملاحة والتجارة الدولية.
الطاقة في قلب المعادلة
تزداد خطورة الوضع بسبب تزامنه مع اضطرابات واسعة في منظومة الطاقة الإقليمية.
فالسعودية، على سبيل المثال، تعتمد على موانئ البحر الأحمر وخطوط نقل النفط التي تسمح لها بتجاوز بعض الاختناقات في الخليج. وقد أدت الهجمات الأخيرة على البنية التحتية النفطية السعودية إلى اضطرابات في عمليات التصدير، بالتزامن مع انخفاض حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
وفي 17 سبتمبر، أفادت رويترز بأن حركة السفن عبر باب المندب تراجعت إلى 21 سفينة في يوم واحد مقابل 24 في اليوم السابق، بالتزامن مع التصعيد العسكري في المنطقة.
وبالتالي، فإن أهمية باب المندب لا تتعلق فقط بالسفن التجارية، وإنما تمتد إلى أمن الطاقة العالمي، خصوصاً في بيئة إقليمية تعاني أصلاً من اضطرابات في أكثر من ممر بحري.
ماذا عن إيران؟
ترتبط هذه التطورات أيضاً بالبعد الإقليمي للصراع.
وتصف مصادر دولية الحوثيين بأنهم جماعة مدعومة من إيران، مع وجود تقارير عن دعم عسكري وتقني وشبكات للحصول على مكونات متقدمة. وفي الوقت نفسه، تختلف التقديرات الدولية بشأن طبيعة وحجم العلاقة العملياتية المباشرة بين طهران والحوثيين.
لذلك فإن القراءة الأكثر دقة لا تتمثل في اختزال التطورات في مواجهة يمنية داخلية فقط، بل في النظر إليها ضمن شبكة أوسع من الصراعات والطرق البحرية وممرات الطاقة الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر.
لماذا يهم السودان؟
هنا تبرز أهمية التطور بالنسبة إلى السودان بصورة مباشرة.
فالسودان دولة مطلة على البحر الأحمر، ويعتمد جزء من تجارتها الخارجية على الموانئ البحرية، وفي مقدمتها ميناء بورتسودان.
وأي ارتفاع مستمر في المخاطر على الطريق البحري الممتد من باب المندب إلى البحر الأحمر يمكن أن يؤدي، بحسب طبيعة التطورات، إلى زيادة تكاليف التأمين والشحن، أو تعديل مسارات بعض السفن، أو التأثير في زمن وصول البضائع والطاقة.
كما أن التصعيد في البحر الأحمر يضع الموانئ والسواحل والدول المشاطئة أمام تحديات إضافية تتعلق بالتهريب والجريمة المنظمة وحركة الجماعات المسلحة والأنشطة البحرية غير المشروعة.
وهذه المخاطر لا تعني بالضرورة أن الموانئ السودانية ستتوقف أو أن التجارة السودانية ستتعرض حتماً لتعطيل، لكنها تجعل أمن البحر الأحمر عاملاً أكثر أهمية في حسابات الاقتصاد السوداني.
من باب المندب إلى بورتسودان ... سلسلة واحدة
يمكن النظر إلى البحر الأحمر باعتباره سلسلة مترابطة من نقاط الاختناق والموانئ والممرات البحرية.
فأي اضطراب في الطرف الجنوبي عند باب المندب يمكن أن ينتقل تأثيره شمالاً عبر البحر الأحمر، وصولاً إلى قناة السويس وموانئ المنطقة.
ولهذا فإن التطورات في الساحل الغربي لليمن لا تخص اليمن وحده، كما أن أمن الملاحة في باب المندب لا يمكن فصله عن أمن الدول المطلة على البحر الأحمر، ومنها السودان.
وفي هذا السياق، يصبح استقرار السواحل اليمنية وقدرة مؤسسات الدولة على حماية الموانئ والمياه الإقليمية والجزر عاملاً من عوامل الأمن البحري الإقليمي، إلى جانب الإجراءات الدولية لحماية الملاحة.
هل نحن أمام تهديد مباشر للملاحة الدولية؟
المؤشرات الحالية تقول إن مستوى المخاطر ارتفع بوضوح، لكن تقييم مسار الأزمة سيعتمد على قدرة الحوثيين على الاحتفاظ بالمواقع الساحلية والجزر التي سيطروا عليها، وعلى طبيعة العمليات العسكرية المقبلة، وعلى ما إذا كانت حركة الملاحة ستتأثر بصورة مستمرة أم ستظل قادرة على العمل مع إجراءات أمنية إضافية.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن السيطرة على ميون تمنح الحوثيين موطئ قدم استراتيجياً، لكنها لا تعني تلقائياً امتلاك قدرة غير محدودة على إغلاق المضيق أو التحكم الكامل في حركة السفن؛ فالممر الملاحي نفسه متعدد الأطراف وتوجد فيه قدرات عسكرية وإقليمية ودولية مختلفة.
لكن ما تغير فعلياً هو المعادلة الجغرافية: التهديد لم يعد مرتبطاً فقط بقدرة جماعة مسلحة على إطلاق سلاح بعيد المدى، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بوجودها على أرض وجزر تقع بالقرب من واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
الخلاصة
يضع التقدم الحوثي على الساحل الغربي لليمن وبالقرب من جزيرة ميون باب المندب أمام مرحلة جديدة من المخاطر الأمنية.
ولا يتعلق الأمر باليمن وحده؛ فالمضيق يمثل حلقة في شبكة تمتد من المحيط الهندي إلى البحر الأحمر وقناة السويس، فيما ترتبط به حركة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.
وبالنسبة إلى السودان، فإن التطورات تفرض أهمية أكبر لمراقبة أمن البحر الأحمر، ليس فقط من زاوية الأمن البحري، وإنما أيضاً من حيث تأثير تكاليف النقل والتأمين واستقرار حركة التجارة والطاقة على الاقتصاد الوطني.
ومع استمرار التصعيد الإقليمي، فإن السؤال لم يعد فقط: من يسيطر على باب المندب؟
بل أصبح: هل تستطيع دول المنطقة والمجتمع الدولي الحفاظ على حرية الملاحة في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، رغم تغير ميزان السيطرة على الساحل اليمني؟
اكتب كلمة للبحث عن الأخبار
يمكنك الاعتماد على سودان وان في مسألتي الحقيقة والشفافية
نستخدم ملفات تعريف الارتباط وتقنيات التتبع الأخرى لتقديم وتخصيص محتوى الإعلانات، وإتاحة الميزات، وقياس أداء الموقع. يمكنك اختيار تخصيص تفضيلاتك.
حول سياستنا الخاصة بملفات تعريف الارتباط.
إدارة تفضيلات الموافقة
من أجل تزويدك بأفضل تجربة رقمية ممكنة، فإننا نستخدم معلومات حول مشاركاتك السابقة والحالية مع موقعنا. انقر على عناوين الفئات المختلفة لمعرفة المزيد وتغيير إعداداتنا الافتراضية وفقاً لتفضيلاتك. الاطلاع على سياستنا حول ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز".
ملفات تعريف الارتباط الأساسية
نشط دائماً
ملفات تعريف الارتباط هذه ضرورية لكي يعمل موقعنا على الإنترنت، ولا يمكننا إيقاف تشغيلها في أنظمتنا. لا تخزن هذه الملفات أي معلومات شخصية.
ملفات تعريف الارتباط الخاصة بالأداء
تسمح لنا هذه الملفات بحساب الزيارات ومصادر الزيارات حتى نتمكن من قياس أداء موقعنا وتحسينه.
ملفات تعريف الارتباط الوظيفية
تُمكّن الموقع من توفير وظائف محسنة ومخصصة. قد نقوم نحن أو جهات خارجية بتعيينها.
ملفات تعريف الارتباط المُستهدفة
قد يتم تعيينها من قبل شركائنا الإعلانيين لإنشاء ملف تعريف لاهتماماتك وعرض إعلانات ذات صلة.