الجزائر على الخط.. ماذا يحدث في جنوب السودان؟
متابعات _ سودان ون
لم يعد المشهد في جنوب السودان مرتبطًا فقط بالخلافات بين أطراف اتفاق السلام أو بموعد الانتخابات المرتقبة، فالتطورات السياسية والأمنية المتلاحقة أعادت الأزمة إلى واجهة الاهتمام الإقليمي، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تحرك يحول دون اتساع فجوة الخلاف بين القوى السياسية.
وفي خضم هذه المرحلة الحساسة، تدخل الجزائر على خط الأزمة برسالة سياسية واضحة، بعدما أكد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون استعداد بلاده لمساندة جنوب السودان وتقديم الدعم اللوجستي والتقني للسلطات والهيئات الانتخابية، بما يساعد على استكمال الاستحقاقات المرتبطة بالمرحلة الانتقالية.
لكن ماذا تريد الجزائر من هذا التحرك؟ وهل يمكن أن يسهم الدعم الجزائري في تحريك المياه الراكدة داخل العملية السياسية في جنوب السودان؟ والأهم، هل أصبح تنفيذ اتفاق السلام المنشط شرطًا لا غنى عنه قبل الوصول إلى انتخابات قادرة على إنتاج شرعية سياسية جديدة؟
جنوب السودان أمام اختبار سياسي جديد
منذ توقيع اتفاق السلام المنشط في عام 2018، ظل الاتفاق يمثل الإطار الرئيسي لمحاولة إنهاء الصراع السياسي والعسكري وإعادة بناء مؤسسات الدولة في جنوب السودان.
غير أن تنفيذ الاتفاق واجه خلال السنوات الماضية عقبات سياسية وأمنية ومؤسساتية، فيما ظلت بعض بنوده تنتظر التنفيذ الكامل، الأمر الذي أبقى العملية الانتقالية أمام اختبار مستمر.
وتزداد حساسية الوضع مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، إذ لا يتعلق الأمر بمجرد تحديد موعد للاقتراع، وإنما بتوفير البيئة السياسية والأمنية والقانونية التي تسمح بإجراء انتخابات تحظى بالقبول والثقة.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية التحرك الإقليمي، لأن أي انتخابات تُجرى في ظل انقسامات عميقة أو ترتيبات سياسية غير مكتملة قد تواجه تحديات تتجاوز يوم الاقتراع نفسه.
لماذا تدخلت الجزائر الآن؟
الموقف الجزائري لا يبدو منفصلًا عن الخط العام لدبلوماسية الجزائر في القارة الإفريقية، والتي تركز بصورة متكررة على الحوار السياسي، ووقف الأعمال العدائية، واحترام سيادة الدول، والبحث عن حلول نابعة من الأطراف المحلية.
وفي حالة جنوب السودان، يكتسب هذا الطرح أهمية خاصة؛ لأن الأزمة لا تحتاج فقط إلى تهدئة أمنية مؤقتة، وإنما إلى معالجة سياسية تسمح للأطراف بالعودة إلى تنفيذ الالتزامات التي نص عليها اتفاق السلام.
ومن هنا يأتي عرض الجزائر تقديم دعم لوجستي وتقني للعملية الانتخابية باعتباره جانبًا عمليًا من الحضور الدبلوماسي، وليس مجرد موقف سياسي معلن.
فالعملية الانتخابية تحتاج إلى مؤسسات قادرة على إدارة الاقتراع، وسجل انتخابي موثوق، ووسائل لوجستية، وكوادر مؤهلة، وقدرة على الوصول إلى المناطق المتأثرة بالنزاع والنزوح.
اتفاق السلام المنشط.. العقدة الأساسية
يرى المحلل السياسي وأستاذ العلاقات الدولية أيوب عرفي أن جوهر التحرك الجزائري يرتبط بأولوية الحل السياسي، مشيرًا إلى أن حماية المكاسب التي تحققت منذ توقيع اتفاق السلام المنشط تتطلب التزام الأطراف بتنفيذ بنوده وتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات السياسية الضيقة.
ويضع هذا الطرح اتفاق السلام المنشط في قلب الأزمة الحالية، باعتباره المرجعية السياسية التي يفترض أن تنطلق منها عملية استكمال بناء مؤسسات الدولة.
وتشمل الملفات المرتبطة بذلك الترتيبات الأمنية، وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، والإصلاحات الدستورية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، إلى جانب القضايا المتعلقة بتقاسم السلطة والثروة.
وبقدر ما تتقدم هذه الملفات، تتسع مساحة الثقة المطلوبة للانتقال إلى مرحلة انتخابية أكثر استقرارًا.
أما استمرار التعثر، فيبقي الانتخابات أمام تحديات سياسية وأمنية يمكن أن تؤثر في قدرة المؤسسات على تنظيمها وقبول نتائجها.
الانتخابات في جنوب السودان.. هل الموعد وحده يكفي؟
الانتخابات المرتقبة تمثل أحد أهم الاختبارات أمام الدولة الوليدة، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تنظيم الاقتراع فقط.
فالانتخابات تحتاج إلى بيئة تسمح للناخبين بالمشاركة بحرية، وللقوى السياسية بخوض المنافسة دون إقصاء، وللمؤسسات الانتخابية بالعمل بعيدًا عن الضغوط السياسية والأمنية.
كما أن الوضع الميداني في بعض المناطق يمثل تحديًا إضافيًا أمام تسجيل الناخبين والوصول إلى مراكز الاقتراع، خصوصًا في المناطق التي ما زالت تعاني من آثار النزاعات والنزوح.
وتضاف إلى ذلك تحديات لوجستية كبيرة، من بينها ضعف البنية التحتية، وصعوبة الوصول إلى مناطق بعيدة، والحاجة إلى تجهيز المؤسسات الانتخابية وتأهيل العاملين فيها وتوفير التمويل اللازم.
لذلك، فإن نجاح الانتخابات لن يقاس فقط بفتح صناديق الاقتراع، وإنما بقدرتها على إنتاج عملية سياسية تتمتع بالقدر الكافي من الثقة والقبول.
البعد الإنساني يزيد تعقيد المشهد
لا يمكن فصل الأزمة السياسية عن الواقع الإنساني في جنوب السودان.
فالنزوح، وانعدام الأمن الغذائي، وضعف الخدمات، وصعوبة الحركة في عدد من المناطق، كلها عوامل يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في العملية السياسية والانتخابية.
وتحتاج الفئات النازحة والمتضررة من الصراع إلى ترتيبات تضمن عدم تحول ظروفها المعيشية والجغرافية إلى عائق أمام المشاركة السياسية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى أن ترافق المساعدات التقنية واللوجستية جهود سياسية وأمنية وإنسانية متوازية، حتى لا تتحول الانتخابات إلى عملية مؤسساتية منفصلة عن الواقع الذي يعيشه المواطنون.
الاتحاد الإفريقي وإيغاد.. من يملك مفتاح الحل؟
إلى جانب الجزائر، يظل الاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية للتنمية "إيغاد" من أبرز الأطراف الإقليمية المعنية باستقرار جنوب السودان.
ويكتسب الدور الإفريقي أهمية خاصة بسبب طبيعة الأزمة وتشابكاتها الإقليمية، فضلًا عن ارتباط استقرار جنوب السودان بالأمن في دول الجوار.
ويطرح هذا الواقع ضرورة تنسيق الجهود بين المبادرات الإفريقية المختلفة، بدل تعدد مسارات الوساطة بصورة قد تزيد المشهد تعقيدًا.
ويتمثل الدور المطلوب في تقريب وجهات النظر، وتشجيع أطراف اتفاق السلام على تنفيذ التزاماتها، ومتابعة الملفات الانتقالية، وتوفير الدعم السياسي للعملية الانتخابية.
أما المجتمع الدولي، فيمكن أن يؤدي دورًا مكملًا من خلال الدعم المالي والفني والإنساني، مع بقاء القرار السياسي النهائي مرتبطًا بالأطراف الجنوب سودانية نفسها.
الجزائر تراهن على الحل من الداخل
الرسالة الجزائرية تبدو في جوهرها قائمة على معادلة واضحة: دعم جنوب السودان من دون الحلول محل القوى السياسية المحلية.
فالدعم الخارجي، مهما كان حجمه، لا يستطيع وحده إنهاء الخلافات السياسية أو بناء مؤسسات مستقرة إذا لم تتوافر إرادة داخلية لتنفيذ اتفاق السلام.
ولهذا تركز المقاربة الجزائرية على الحوار، ووقف الأعمال العدائية، واحترام السيادة الوطنية، وتشجيع الأطراف على تحمل مسؤولياتها السياسية.
ووفق قراءة أيوب عرفي، فإن هذا النهج ينسجم مع رؤية جزائرية تقوم على رفض فرض التسويات من الخارج، مع دعم الجهود الإفريقية الرامية إلى احتواء الأزمات داخل القارة.
ماذا يعني التحرك الجزائري للمرحلة المقبلة؟
دخول الجزائر على خط الملف الجنوب سوداني يفتح الباب أمام أكثر من احتمال سياسي، لكنه في الوقت ذاته يضع الأطراف المحلية أمام مسؤولية أكبر في التعامل مع الاستحقاقات المقبلة.
فالدعم اللوجستي والتقني يمكن أن يساعد في تجهيز العملية الانتخابية، لكنه لا يستطيع وحده معالجة الخلافات السياسية أو استكمال بنود اتفاق السلام.
ولهذا فإن الاختبار الأهم خلال المرحلة المقبلة سيكون في قدرة الأطراف على تحويل الدعم الإقليمي إلى تقدم فعلي في الملفات العالقة.
ويبقى السؤال الأبرز: هل تستطيع الجهود الجزائرية والإفريقية إعادة تحريك اتفاق السلام المنشط، وتهيئة الظروف لانتخابات أكثر استقرارًا في جنوب السودان؟
الإجابة ستتوقف بدرجة كبيرة على ما إذا كانت القوى السياسية قادرة على الانتقال من إدارة الخلاف إلى تسوية الخلاف، ومن الالتزامات المكتوبة إلى التنفيذ على الأرض.
وفي نهاية المطاف، فإن الانتخابات قد تكون محطة مهمة في مستقبل جنوب السودان، لكنها لن تكون بديلًا عن السلام. فالاستقرار السياسي يبدأ من قدرة الأطراف على بناء توافق يسمح للمؤسسات بالعمل، وللمواطنين بالمشاركة، وللدولة بالخروج تدريجيًا من دائرة الأزمات المتكررة.