الجزائر تقطع علاقاتها مع الإمارات.. ماذا حدث؟
الجزائر - سودان ون
أعلنت الجزائر، الخميس، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، في خطوة وصفتها السلطات الجزائرية بأنها جاءت بعد "استنفاد جميع الوسائل الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية"، وبعد ما وصفته بممارسات وتصرفات عدائية متكررة من أبوظبي. ونقلت وكالة رويترز عن التلفزيون الجزائري أن الجزائر أبلغت السفير الإماراتي بضرورة مغادرة البلاد خلال 48 ساعة، في واحدة من أكثر الخطوات الدبلوماسية حدة بين دولتين عربيتين خلال السنوات الأخيرة.
القرار لم يأتِ من فراغ، بل جاء تتويجا لتدهور متسارع شهدته العلاقات بين البلدين خلال الأشهر الماضية، بدأ بخلافات سياسية وتصريحات متبادلة، ثم تحول إلى إجراءات عملية أبرزها شروع الجزائر في فبراير 2026 في إنهاء اتفاقية الخدمات الجوية الموقعة بين البلدين عام 2013.
لماذا قطعت الجزائر العلاقات مع الإمارات؟
لا يمكن فهم القرار الجزائري بمعزل عن سلسلة طويلة من الخلافات السياسية والأمنية والإقليمية بين البلدين. فالجزائر تنتهج تقليديا سياسة ترفض التدخلات الخارجية في أزمات المنطقة، وتدفع نحو حلول سياسية وطنية، بينما اتسعت خلال السنوات الأخيرة اتهامات جزائرية بشأن ما تعتبره تدخلا إماراتيا في ملفات تمس الأمن الجزائري ومصالح دول شمال إفريقيا والساحل.
وفي السابع من سبتمبر الجاري، جدد وزير الدولة الجزائري للشؤون الخارجية، أحمد عطاف، خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة، تمسك بلاده بحل أزمات الدول العربية بعيدا عن التدخلات الخارجية، في وقت كانت فيه العلاقات مع أبوظبي تتجه أصلا نحو مزيد من التوتر.
من إلغاء اتفاقية الطيران إلى القطيعة الدبلوماسية
في فبراير الماضي، باشرت الجزائر إجراءات إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية مع الإمارات. ورغم أن الجزائر لم تربط القرار آنذاك بسبب سياسي محدد، اعتُبرت الخطوة مؤشرا جديدا على تدهور العلاقات. وسبق ذلك حديث الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عن خلافات حادة مع دولة خليجية، فسّرها مراقبون على نطاق واسع بأنها إشارة إلى الإمارات. وبحلول يوليو كانت الأزمة قد وصلت إلى مرحلة أكثر وضوحا، مع استمرار الرئيس الجزائري في انتقاد السياسات الإماراتية.
خلاف يتجاوز الملفات الثنائية
لا يتعلق الخلاف بملفات ثنائية فحسب، بل يرتبط بتباين واسع في الرؤى تجاه ملفات عربية وإفريقية، أبرزها السودان وليبيا والساحل والصحراء الغربية والنفوذ الإقليمي عموما. وتنظر الجزائر بحساسية شديدة إلى أي تحركات خارجية ترى أنها قد تمس أمنها الوطني أو توازنات منطقة الساحل وشمال إفريقيا، فيما توسّع الإمارات حضورها الاقتصادي والأمني في مناطق متعددة من العالم العربي وإفريقيا، وهو ما وضعها في مواجهة مصالح ورؤى دول إقليمية من بينها الجزائر.
السودان الملف الأكثر حساسية في الخلاف
يكتسب الخلاف الجزائري الإماراتي أهمية خاصة بالنسبة للسودان، في ظل استمرار الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. فقد اتهمت الخرطوم أبوظبي مرارا بدعم قوات الدعم السريع، وهو ما تنفيه الإمارات باستمرار، بينما كشفت تحقيقات وتقارير دولية عن شبكات عابرة للحدود مرتبطة بتجنيد مقاتلين ونقل أسلحة وإمدادات إلى أطراف النزاع.
من أبرز هذه التحقيقات ما نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية بشأن منظومة إقليمية تمتد من كولومبيا مرورا بالإمارات، وصولا إلى بوصاصو الصومالية ومنطقة الكفرة الليبية، وانتهاء بمدينتي نيالا والفاشر السودانيتين، حيث تشير الأدلة إلى أن شركة "غلوبال سيكيوريتي سيرفيسز غروب" (GSSG)، ومقرها الإمارات، تولت تجنيد ونقل أعداد كبيرة من المتعاقدين العسكريين الكولومبيين. وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقرير نُشر في مايو 2026، إن الشركة تبدو مسؤولة عن توظيف متعاقدين كولومبيين نُشروا في دارفور لمساندة قوات الدعم السريع، ووثّقت مرور بعضهم عبر منشآت عسكرية إماراتية وتلقيهم تدريبات داخل الدولة الخليجية.
كما خلصت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان إلى وجود "أسباب معقولة" تدعو للاعتقاد بأن كيانات خاصة ووسطاء لوجستيين ينشطون من دول من بينها كولومبيا والإمارات، استخدموا معابر في جنوب شرق ليبيا وبوصاصو لتسهيل وصول المقاتلين والسلاح إلى قوات الدعم السريع، وربطت البعثة هذا الدعم الخارجي بانتهاكات جسيمة سُجّلت في مخيم زمزم وخلال السيطرة على الفاشر، من بينها ممارسات وُصفت بأنها تحمل سمات الإبادة الجماعية.
ومع ذلك، يبقى من الضروري مهنيا التأكيد أن هذه الاتهامات لا تزال محل نزاع سياسي وقانوني، وأن الإمارات تنفي بشكل قاطع دعم قوات الدعم السريع؛ ولذلك تُعرض باعتبارها اتهامات وتقارير دولية موثقة، لا أحكاما قضائية نهائية.
ليبيا قاعدة خلفية للنفوذ الإماراتي
تدعو الجزائر منذ سنوات إلى حل سياسي ليبي والحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها، بينما ارتبط اسم الإمارات بدعم معسكر خليفة حفتر خلال مراحل مختلفة من الأزمة الليبية، عبر قواعد جوية من بينها قاعدة الخادم جنوب مدينة المرج، التي تحتلها أبوظبي علنا منذ 2016، وقاعدة الجفرة في وسط البلاد ذات الموقع الجغرافي المحوري.
واتهم المندوب الدائم للسودان لدى الأمم المتحدة، الحارث إدريس، الإمارات بمواصلة دعم قوات الدعم السريع عبر ممرات لوجستية تمر بموانئ بنغازي وطبرق ومطارات شرق ليبيا، قبل أن تُنقل الإمدادات برا عبر الكفرة والعطرون نحو الداخل السوداني - وهي اتهامات تنفيها أبوظبي. وتزداد حساسية هذا الملف بالنسبة للجزائر بحكم حدودها الطويلة مع ليبيا وموقعها في قلب التوازنات الأمنية الإقليمية.
الصومال والبحر الأحمر اتساع دائرة التوتر
في يناير 2026، أعلنت مقديشو إنهاء جميع الاتفاقيات المبرمة مع الإمارات، بما فيها تلك المتعلقة بتشغيل الموانئ والتعاون الأمني والدفاعي، ردا على ما وصفته بإجراءات إماراتية "تقوّض سيادة البلاد ووحدتها واستقلالها". وجاء القرار عقب فتح الصومال تحقيقا في استخدام غير مصرح به لمجاله الجوي لتسهيل فرار شخصية سياسية يمنية من عدن إلى الإمارات عبر أراضيه. ويعكس هذا الملف اتساع الخلاف الإقليمي حول النفوذ الإماراتي في الموانئ والممرات البحرية الاستراتيجية، من البحر الأحمر إلى القرن الإفريقي.
الذهب السوداني البعد الاقتصادي للأزمة
بحسب تقديرات منظمة "سويس إيد" السويسرية، يصدَّر من إفريقيا إلى دبي سنويا نحو 30 مليار دولار من الذهب الحرفي دون إعلان رسمي، فيما أفادت "فايننشال تايمز" بأن كميات كبيرة من الذهب السوداني نُهبت لصالح جهات إماراتية، في ما وصفته بأحد أكبر عمليات نهب الذهب في التاريخ الحديث. ويبقى من الضروري التمييز بين وجود تجارة ذهب واسعة بين إفريقيا والإمارات وبين إثبات مسؤولية حكومية مباشرة عن عمليات نهب أو تهريب محددة.
تمويل جماعات مسلحة وإدانات دولية متصاعدة
كشف تقرير أممي عن دفع فدية بنحو 50 مليون دولار لتحرير رهينة اختطفه مسلحون مرتبطون بتنظيم القاعدة في مالي أواخر 2025، ونقلت "رويترز" عن مصادر إقليمية أن الإمارات هي من دفع المبلغ، فيما ذهب معظمه بحسب التقرير إلى عناصر مسلحة في منطقة الساحل وتنظيم القاعدة في اليمن. كما طالبت منظمة هيومن رايتس ووتش الحكومة الألمانية بإثارة الدور الإماراتي في السودان خلال أي لقاءات مع رئيس الإمارات محمد بن زايد آل نهيان، ودعت برلين ودولا أوروبية أخرى لفتح تحقيقات بشأن شركة GSSG ورئيسها التنفيذي محمد حمدان الزعابي، تمهيدا لعقوبات مستهدفة، إضافة إلى مطالبة الاتحاد الأوروبي بفرض حظر سلاح على الإمارات.
لماذا الآن وماذا يعني القرار؟
تُظهر المؤشرات المتراكمة خلال عام 2026 أن الجزائر انتقلت تدريجيا من التصريحات السياسية إلى إجراءات عملية، بدءا من تصعيد الخطاب، مرورا بإنهاء اتفاقية الطيران، وصولا إلى قرار قطع العلاقات - وهو ما يعني، وفق الرواية الجزائرية، أن القطيعة نتيجة تراكمات لا ردة فعل على حادث منفرد.
وقطع العلاقات الدبلوماسية لا يعني بالضرورة قطع جميع الروابط الاقتصادية فورا، لكنه تحول سياسي بالغ الأهمية يُتوقع أن يطال التمثيل الدبلوماسي، وحركة المسؤولين والبعثات، والتعاون الأمني، والاتفاقيات الثنائية، والاستثمارات المشتركة، وحركة الطيران والتبادل التجاري، فضلا عن انعكاسات محتملة على ملفات إقليمية أوسع أبرزها السودان وليبيا والساحل والبحر الأحمر.
القرار الجزائري بقطع العلاقات مع الإمارات هو ذروة مسار تصعيد طويل، بدأ بخلافات سياسية ومواقف متباينة إزاء ملفات المنطقة، وتطور عبر تصريحات متبادلة وإجراءات دبلوماسية، قبل أن يصل إلى إلغاء اتفاقية الطيران في فبراير 2026 ثم القطيعة الكاملة في سبتمبر. وبالنسبة للسودان، تكمن أهمية هذا التطور في أن الجزائر من الدول العربية التي تبنت موقفا واضحا ضد التدخلات الخارجية في الأزمات العربية، بينما تحولت الإمارات إلى واحدة من أكثر القوى الإقليمية حضورا وجدلا في الملف السوداني. والسؤال المطروح الآن: هل تؤدي هذه القطيعة إلى إعادة تشكيل موازين القوى العربية والإفريقية، وما انعكاساتها على مسار الحرب في السودان وملفي ليبيا والساحل؟