استثمارات بالمليارات.. هل تصطدم مصالح الإمارات في الغرب بمساءلة دورها في حرب السودان؟
سودان ون - تحليل
في الوقت الذي تدخل فيه الحرب السودانية عامها الرابع وسط واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، تتجه الأنظار بصورة متزايدة إلى السؤال الأصعب: هل تستطيع المصالح الاقتصادية والسياسية للدول الكبرى أن تفصل نفسها عن مواقفها تجاه الحرب في السودان؟
هذا السؤال عاد إلى الواجهة مع مقال للكاتبة البريطانية نسرين مالك في صحيفة الغارديان، تناولت فيه ما وصفته بالتناقض بين حجم الاتهامات الموجهة إلى الإمارات بشأن دورها في الحرب السودانية، وبين علاقاتها الاقتصادية والسياسية المتنامية مع الولايات المتحدة وبريطانيا.
مالك لم تطرح المسألة باعتبارها ملفًا سودانيًا منفصلًا، وإنما وضعتها داخل مشهد أوسع ترى فيه أن المال والاستثمار والنفوذ السياسي باتت عناصر متداخلة في صناعة المواقف الدولية تجاه الحروب والنزاعات.
500 مليون دولار.. صفقة تفتح باب الأسئلة
من أبرز الملفات التي تستند إليها هذه القراءة العلاقة المالية المتنامية بين الإمارات والدوائر المرتبطة بالرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ففي مطلع 2025، وقبل عودة ترامب إلى البيت الأبيض، استثمرت جهة مرتبطة بعائلة إماراتية حاكمة 500 مليون دولار في شركة العملات المشفرة World Liberty Financial المرتبطة بعائلة ترامب، وهي صفقة أثارت لاحقًا انتقادات وتساؤلات في الولايات المتحدة حول تضارب المصالح والنفوذ المالي.
وبالنسبة لمالك، فإن أهمية هذه الصفقة لا تكمن فقط في قيمتها المالية، وإنما في توقيتها وعلاقتها بشبكة أوسع من المصالح بين أبوظبي وواشنطن.
وهنا تنتقل القضية من مجرد استثمار إماراتي في قطاع العملات المشفرة إلى سؤال سياسي أكبر: كيف يمكن للمصالح التجارية الضخمة أن تؤثر في البيئة التي تُصنع داخلها السياسة الخارجية؟
بريطانيا.. شراكة استثمارية تتجاوز الاقتصاد
في الجانب البريطاني، تبدو الصورة أكثر وضوحًا من حيث حجم العلاقات الاقتصادية.
فالحكومة البريطانية تقول إن الشراكة الاستثمارية السيادية بين الإمارات والمملكة المتحدة بدأت بهدف استثمار 10 مليارات جنيه إسترليني على مدى خمس سنوات، قبل أن تصل الالتزامات إلى نحو 30 مليار جنيه إسترليني خلال أقل من أربع سنوات، وفق بيانات إماراتية رسمية. وتشمل الاستثمارات قطاعات التكنولوجيا والطاقة والصحة والبنية التحتية وغيرها.
كما تصف الحكومة البريطانية الإمارات بأنها مصدر مهم للاستثمار المباشر في المملكة المتحدة، وتشير إلى مشروعات بمليارات الجنيهات في الطاقة والبنية التحتية.
وفي أبريل 2026، وقّعت لندن وأبوظبي إطارًا لتعزيز التعاون شمل السياسة الخارجية والدفاع والتجارة والاستثمار والذكاء الاصطناعي والطاقة، في مؤشر على اتساع العلاقة إلى ما هو أبعد من الملفات الاقتصادية.
وهنا تحديدًا تبرز النقطة التي ركزت عليها مالك: كلما توسعت شبكة المصالح، أصبح من المشروع طرح أسئلة حول كيفية انعكاسها على السياسة الخارجية، وإن كان إثبات وجود تأثير مباشر يحتاج إلى أدلة مستقلة ومحددة.
السودان في قلب المعادلة
الإمارات تنفي الاتهامات المتعلقة بدعم قوات الدعم السريع، لكن الاتهامات لم تختفِ من المشهد الدولي.
وفي مايو الماضي، تناولت نسرين مالك في مقال آخر قضية الاتهامات الموجهة إلى أبوظبي بشأن الحرب في السودان، مشيرة إلى تقارير وتحقيقات ربطت الإمارات بتقديم دعم مالي ولوجستي لقوات الدعم السريع، بينما تواصل أبوظبي نفي تورطها في دعم أي طرف عسكري في الحرب.
وفي المقابل، اتخذت الولايات المتحدة وبريطانيا بالفعل إجراءات عقابية ضد شخصيات وكيانات مرتبطة بالحرب السودانية، بما في ذلك قيادات وشركات مرتبطة بقوات الدعم السريع.
لكن الجدل الذي تطرحه مالك يتعلق بسؤال مختلف:
لماذا تذهب العقوبات إلى أفراد وشركات، بينما لا تتحول الاتهامات الموجهة إلى دولة الإمارات إلى موقف مماثل على مستوى الدولة؟
بين العقوبات والمصالح.. أين تقف السياسة؟
السياسة الخارجية لا تتحرك عادة بعامل واحد.
فالدول تنظر في الوقت نفسه إلى الأمن، والتجارة، والاستثمار، والطاقة، ومكافحة الإرهاب، والعلاقات الإقليمية، والتحالفات الاستراتيجية.
والإمارات بالنسبة للولايات المتحدة وبريطانيا ليست مجرد دولة خليجية؛ فهي شريك اقتصادي وأمني واستثماري مهم.
وتكشف الأرقام البريطانية حجم هذه العلاقة. فقد تجاوزت التجارة الثنائية بين بريطانيا والإمارات 25 مليار جنيه إسترليني سنويًا، بينما تجاوزت التزامات الشراكة الاستثمارية الإماراتية البريطانية 29 مليار جنيه إسترليني، وفق بيانات صادرة عن الجانب الإماراتي.
لكن وجود هذه المصالح لا يثبت وحده أن لندن أو واشنطن امتنعتا عن اتخاذ إجراءات ضد الإمارات بسبب الاستثمارات.
وهنا تكمن أهمية طرح السؤال بدل إصدار الحكم.
لماذا يصعب فصل حرب السودان عن الاقتصاد الدولي؟
الحرب السودانية لم تعد مجرد مواجهة داخلية بين الجيش وقوات الدعم السريع.
فالذهب، والموانئ، والبحر الأحمر، والزراعة، والطاقة، وسلاسل الإمداد، وإعادة الإعمار، كلها ملفات تجعل السودان جزءًا من حسابات اقتصادية واستراتيجية أوسع.
ولهذا فإن أي دولة تمتلك مصالح كبيرة في المنطقة يمكن أن تنظر إلى السودان باعتباره جزءًا من خريطة نفوذ طويلة الأمد.
ومن هذه الزاوية، يصبح الصراع على السودان متصلًا بصورة مباشرة بالمنافسة على الموارد والممرات التجارية والنفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
الغارديان تطرح السؤال.. ولا تغلق الإجابة
أهمية مقال نسرين مالك لا تأتي من كونه يحسم مسؤولية دولة أو حكومة عن مسار الحرب السودانية، وإنما من أنه يضع المصالح المالية الغربية والعلاقات الإماراتية داخل النقاش حول كيفية تعامل المجتمع الدولي مع الحرب.
فهل تستطيع واشنطن ولندن الموازنة بين مصالحهما الاقتصادية والاستراتيجية من جهة، والضغوط المتعلقة بالمساءلة عن الحرب في السودان من جهة أخرى؟
وهل يمكن أن تكون الاستثمارات والعلاقات الأمنية عاملًا في تحديد مساحة الضغط السياسي على الحلفاء؟
أم أن مواقف الدول الغربية تجاه السودان تُبنى أساسًا على حسابات أمنية وسياسية مستقلة عن المصالح الاقتصادية؟
لا تقدم الوقائع المتاحة إجابة قاطعة عن هذه الأسئلة.
لكن المؤكد أن حجم العلاقات الإماراتية مع الولايات المتحدة وبريطانيا، إلى جانب استمرار الاتهامات المتعلقة بالحرب السودانية، يجعل العلاقة بين المال والسياسة ملفًا يصعب تجاهله.
السودان.. من يدفع ثمن الحسابات الدولية؟
في النهاية، يبقى السؤال الأكبر سودانيًا قبل أن يكون دوليًا:
إذا كانت الحرب قد تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، فمن يدفع كلفة هذه الحسابات؟
السودانيون هم من يدفعون الثمن الأكبر؛ نزوحًا وفقدانًا للأرواح وتدميرًا للبنية التحتية وانهيارًا اقتصاديًا وأزمة إنسانية متفاقمة.
وبينما تبحث القوى الدولية عن مصالحها وشراكاتها، يبقى السودان بحاجة إلى شيء مختلف: موقف دولي يضع إنهاء الحرب وحماية المدنيين ومستقبل الدولة السودانية فوق حسابات النفوذ والاستثمار.
وهنا تحديدًا تصبح المساءلة الدولية عن الحرب السودانية ليست مجرد قضية دبلوماسية، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام الدولي على التعامل مع الأزمات بعيدًا عن ازدواجية المصالح.